![]()
بقلم: إبراهيم بلا
لم يعد الاعتداء على الصحافيين والمراسلين أثناء قيامهم بواجبهم المهني مجرد حوادث معزولة يمكن المرور عليها دون توقف. ففي الآونة الأخيرة، برزت سلوكات مقلقة تتجسد في محاولات منع الصحافي من أداء مهمته، وعرقلة عمله، بل وأحياناً تعريضه للتهديد أو السب أو العنف، لمجرد أنه يحمل قلماً أو كاميرا وينقل ما يجري إلى الرأي العام.
الصحافي ليس هدفاً. هذه حقيقة يفترض أن تكون واضحة للجميع، مسؤولين ومواطنين وفاعلين، ولكل من يجد نفسه موضوعاً لتغطية إعلامية.
فالصحافي الذي يكون في عين المكان لا يأتي بحثاً عن المشاكل، ولا يحمل خصومة شخصية مع أحد؛ إنه يؤدي واجباً مهنياً يقتضي نقل الوقائع، والاستماع إلى مختلف الأطراف، وطرح الأسئلة، وتوثيق الأحداث، وإيصال صوت المواطن إلى الجهات المعنية.
لكن المؤسف أن البعض لا يزال ينظر إلى الصحافي باعتباره خصماً ينبغي إسكات صوته، بدل اعتباره جزءاً من المشهد الإعلامي الذي يؤدي وظيفة أساسية في خدمة المجتمع.
إن محاولة إسكات الصحافي بالقوة، أو تهديده، أو الاعتداء عليه، أو منعه من أداء مهمته، ليست وسيلة للدفاع عن النفس ولا تعبيراً عن القوة، بل سلوك مرفوض يمس جوهر حرية الصحافة وحرية التعبير.
ومن حق أي شخص أن يعترض على مقال أو خبر أو صورة، ومن حقه أن يطلب التوضيح أو التصحيح إذا اعتقد أن هناك خطأ أو تجاوزاً. لكن ليس من حقه أن يجعل من العنف أو التهديد وسيلة للرد على الصحافي.
والأكثر إثارة للقلق أن بعض هذه الوقائع تقع في أماكن عامة وأثناء تغطية أحداث معروفة، وكأن وجود الصحافي في الميدان أصبح في حد ذاته سبباً للاستفزاز. وهذا أمر بالغ الخطورة، لأن الخوف الذي قد يشعر به الصحافي أثناء أداء عمله لا يقود إلا إلى نتيجة واحدة: تراجع التغطية الميدانية، وغياب بعض الأصوات، وترك مساحة أوسع للإشاعة والتضليل.
نحن اليوم في حاجة إلى صحافة محلية حاضرة في الميدان، قريبة من المواطن، تنقل مشاكله اليومية، وترصد الاختلالات، وتتابع الملفات التي تهم المجتمع، وتنقل في المقابل المبادرات الإيجابية والنجاحات المحلية.
غير أن هذه الصحافة لن تستطيع القيام بدورها إذا أصبح الصحافي مطالباً، في كل لحظة، بالتفكير في سلامته الشخصية قبل التفكير في واجبه المهني.
إننا ندين ونشجب بوضوح كل أشكال الاعتداء على الصحافيين والمراسلين، أياً كان مرتكبها وأياً كانت دوافعها، ونعتبر أن احترام الصحافي أثناء قيامه بعمله يجب أن يكون قاعدة ثابتة لا استثناءً عابراً.
لكن رفض الاعتداء على الصحافي لا يعني إعفاء الصحافة من مسؤوليتها. فالصحافي مطالب بدوره باحترام أخلاقيات المهنة، والتحري والدقة والموضوعية، واحترام حقوق الأشخاص، والامتناع عن نشر الأخبار غير الموثوقة. وأي خطأ مهني، متى ثبت وجوده، تتم معالجته عبر الآليات القانونية والمهنية المعروفة، وليس بالعنف أو التهديد.
لقد حان الوقت لكي يفهم الجميع أن الكاميرا ليست استفزازاً، والقلم ليس جريمة، والسؤال الصحافي ليس اعتداءً.
ومن يريد إسكات الصحافي بالقوة عليه أن يدرك أن الأمر لا يتعلق بشخص واحد؛ فالاعتداء على الصحافي، في جوهره، يمس حق المجتمع في معرفة ما يحدث، ويضعف إحدى الأدوات الأساسية التي تتيح للمواطن الاطلاع على قضاياه ومشاكله.
يمكننا أن نختلف مع الصحافي، وأن ننتقده، وأن نحاسبه مهنياً وقانونياً إذا أخطأ، لكن لا يجوز أن نعتدي عليه.
فالصحافة ليست خصماً لأحد، والصحافي ليس هدفاً.
ومن أراد مجتمعاً يحترم القانون، فعليه أولاً أن يحترم حرية التعبير، وأن يرفض تحويل الاختلاف إلى عنف، والخلاف إلى اعتداء.
لا للعنف ضد الصحافيين.
لا لترهيب المراسلين.
نعم لصحافة حرة ومسؤولة.
ونعم لاحترام القانون وحق المواطن في المعلومة.











