بعد نصف قرن على رحيله.. ماو تسي تونغ بين الذاكرة الرسمية وحنين جيل جديد

BENNOUNA MOHAMED YAZID6 سبتمبر 2026آخر تحديث :
بعد نصف قرن على رحيله.. ماو تسي تونغ بين الذاكرة الرسمية وحنين جيل جديد

Loading

بعد مرور خمسين عاماً على وفاة الزعيم الصيني ماو تسي تونغ، لا تزال صورته حاضرة في عدد من المدن والقرى المرتبطة بمرحلة تأسيس جمهورية الصين الشعبية، غير أن هذا الحضور بات يعكس اليوم مزيجاً معقداً من الذاكرة الرسمية والحنين الاجتماعي، خصوصاً لدى بعض الفئات التي ترى في الحقبة الماوية رمزاً للمساواة والانضباط والعمل الجماعي.

وفي قرية نانجي، وسط مقاطعة خنان، يستقطب تمثال ضخم لماو في ساحة تحمل اسم «الشرق أحمر» الزوار الراغبين في استحضار مرحلة تاريخية امتدت عقوداً، بعدما قاد ماو الثورة الشيوعية التي انتهت بإعلان تأسيس جمهورية الصين الشعبية سنة 1949، قبل وفاته في التاسع من شتنبر 1976.

وتحافظ نانجي على بعض المظاهر الاقتصادية والاجتماعية المستوحاة من المرحلة الماوية، من خلال نظام تعاوني يساهم في تمويل عدد من الخدمات المحلية، فيما لا تزال الشعارات الاشتراكية والجداريات التي تحمل صورة ماو حاضرة في فضاءات مختلفة من القرية.

وبالنسبة إلى عدد من الشباب، لا يرتبط الاهتمام بماو بالضرورة بتجربة شخصية مع تلك المرحلة، بل بصورة تاريخية تشكلت من خلال الأسرة والتعليم والفضاء العام. وتقول الشابة شيه كايوي، البالغة 22 عاماً، إنها تكن احتراماً كبيراً لماو، رغم أنها ولدت بعد سنوات من وفاته، معتبرة أن أبناء جيلها لا يمتلكون، في نظرها، القوة الجماعية التي كانت تميز المجتمع في الماضي.

وفي قرية داتشاي بمقاطعة شانشي، التي تحولت خلال ستينيات القرن الماضي إلى نموذج وطني للعمل الجماعي بعد إقامة مصاطب زراعية في المناطق الجبلية، يستمر حضور ذاكرة تلك المرحلة في المتاحف والفضاءات المحلية.

ويستعيد بعض كبار السن ذكريات الطفولة الصعبة التي رافقتها ندرة الغذاء والملابس، لكنهم يتذكرون في الوقت نفسه شعوراً بالحركة الجماعية والرغبة في تغيير الواقع. ويقول أحد المتقاعدين، البالغ 64 عاماً، إن تلك السنوات كانت قاسية، لكنها لا تزال تستحضر لديه قدراً من الحنين.

ولا يقتصر حضور ماو على المتاحف والتماثيل، بل يمتد إلى المتاجر التي تعرض ملصقات وصوراً وبطاقات تذكارية، فضلاً عن نسخ حديثة من «الكتاب الأحمر الصغير»، الذي جمع أقوال الزعيم الشيوعي وانتشر على نطاق واسع خلال فترة صعود نفوذه السياسي.

ذاكرة مثقلة بالجدل

غير أن استحضار الحقبة الماوية لا يمكن فصله عن أكثر فصولها قسوة، خصوصاً «الثورة الثقافية» التي امتدت بين عامي 1966 و1976، وشهدت حملات واسعة ضد من اعتبروا «أعداء للطبقات»، إلى جانب اضطرابات اجتماعية وسياسية وانتهاكات طالت فئات مختلفة من المجتمع.

وتكشف بعض المتاحف والمواقع التذكارية عن استمرار الجدل بشأن الطريقة التي تقدم بها تلك المرحلة للأجيال الجديدة. ففي أحد متاحف داتشاي، جرى حذف الإشارة إلى الثورة الثقافية من بعض اللوحات التعريفية، وهو ما يراه الباحث شو تشنغغانغ مؤشراً على هيمنة الرواية الرسمية للحزب الشيوعي الصيني على الذاكرة العامة للحقبة الماوية.

ويحمل شو نفسه تجربة شخصية مع تلك المرحلة، بعدما تعرض للمضايقة خلال طفولته في بكين بسبب تصنيف والده ضمن «اليمينيين»، وهو ما جعله أكثر حساسية تجاه الطريقة التي يتم بها تقديم تاريخ الثورة الثقافية في الفضاء العام.

ورغم مرور نصف قرن على وفاة ماو، لا تزال صورته تحتل مكانة بارزة في السردية الوطنية الصينية؛ فهي حاضرة على الأوراق النقدية، كما تتصدر الواجهة المطلة على ساحة تيانانمن في بكين، فيما يحتفظ ضريحه بجثمانه في العاصمة، إلى جانب استمرار إنتاج أعمال سينمائية وتلفزيونية تستعيد محطات من حياته.

إرث اقتصادي وسياسي مثقل بالكلفة

وفي المقابل، يبقى إرث ماو موضع نقاش واسع بسبب السياسات التي اتُّبعت خلال عهده، وعلى رأسها «القفزة الكبرى إلى الأمام» التي بدأت سنة 1958، والتي ارتبطت بأزمة غذائية كارثية أودت، وفق تقديرات تاريخية، بحياة عشرات الملايين نتيجة المجاعة وسوء السياسات الاقتصادية والزراعية.

وتصف الرواية الرسمية للحزب الشيوعي الصيني تلك المرحلة بأنها شهدت «أخطاء»، بينما يظل النقاش بشأن حجم المسؤولية والنتائج الإنسانية والسياسية لتلك السياسات حاضراً في الدراسات التاريخية.

وفي عهد الرئيس شي جين بينغ، أصبح النقاش بشأن بعض الملفات التاريخية أكثر انضباطاً، في ظل التحذير من «العدمية التاريخية»، وهو المصطلح الذي تستخدمه السلطات الصينية لوصف القراءات التي تعتبرها مناقضة للرواية الرسمية للحزب بشأن تاريخ الدولة ومسارها السياسي.

ويرى كيري براون، مدير معهد لاو لدراسات الصين في لندن، أن بعض الشباب الصيني ينظرون إلى الثورة الثقافية من زاوية تختلف عن نظرة الأجيال التي عايشتها، إذ قد ترتبط لديهم بصورة مثالية عن مجتمع يقوم على المبادئ والمساواة، بعيداً عن المنافسة على المال والممتلكات، وهي صورة يرى براون أنها لا تعكس حقيقة تلك الحقبة التاريخية.

الحنين إلى الماضي في زمن المنافسة

ويجد هذا الحنين، بحسب قراءات أكاديمية، بعض جذوره في التحولات التي يعرفها المجتمع الصيني المعاصر، خصوصاً لدى الشباب الذين يواجهون ضغوطاً متزايدة مرتبطة بالدراسة وسوق العمل وساعات العمل والمنافسة الاقتصادية، إلى جانب تباطؤ النمو واتساع بعض الفوارق الاجتماعية.

وفي مدينة شيجياتشوانغ الصناعية، يعبر الشاب وانغ تشيهاو عن احترامه لماو، معتبراً أنه الشخصية التي قادت تأسيس «الصين الجديدة». ورغم إقراره بأن الحياة في تلك الفترة كانت أكثر صعوبة، فإنه يرى أن الأجيال الحالية تنعم بالاستقرار بفضل القادة الذين ساهموا في تأسيس الدولة الحديثة.

أما موبا غاو، أستاذ الدراسات الصينية في جامعة أديلايد الأسترالية، والذي عاش جزءاً من المرحلة الماوية في ريف مقاطعة جيانغشي، فيرى أن الاهتمام المتجدد بماو يرتبط أيضاً بمحاولة الصينيين فهم المسار التاريخي الذي قاد بلادهم إلى موقعها الحالي.

وبعد خمسين عاماً على رحيله، تظل صورة ماو تسي تونغ في الصين متعددة الأوجه؛ فهي بالنسبة إلى الرواية الرسمية صورة مؤسس الدولة الحديثة، وبالنسبة إلى آخرين مرتبطة بذكريات شخصية وتجارب مؤلمة، بينما ينظر إليها بعض أفراد الجيل الجديد من زاوية مختلفة، مستحضراً شعارات المساواة والعمل الجماعي في مواجهة تحديات مجتمع حديث تحكمه المنافسة الاقتصادية والاجتماعية.

وهكذا، لا يبدو الحنين إلى ماو مجرد عودة بسيطة إلى الماضي، بل جزءاً من نقاش أوسع حول الهوية والعدالة الاجتماعية ومسار الصين، وكيفية قراءة تاريخ ترك آثاراً عميقة لا تزال حاضرة في الذاكرة الجماعية للبلاد.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: عفوا !!