الماء بين الندرة والفيضانات.. بركة يدعو إلى استراتيجية استباقية لحماية المستقبل

بنونة فيصلمنذ 31 دقيقةآخر تحديث :
الماء بين الندرة والفيضانات.. بركة يدعو إلى استراتيجية استباقية لحماية المستقبل

Loading

لم يعد السؤال المائي في المغرب مرتبطا فقط بكمية الأمطار التي تسجلها سنة دون أخرى، ولا بنسبة ملء السدود عند نهاية كل موسم. التحدي اليوم أكبر: كيف يمكن ضمان الماء للمواطن والفلاحة والاقتصاد بشكل مستدام، في بلد أصبحت فيه التقلبات المناخية واقعا يفرض إعادة ترتيب الأولويات وتسريع الاستثمارات؟

بهذا المنطق، جاء الاجتماع التنسيقي الذي ترأسه نزار بركة، وزير التجهيز والماء، بالرباط، بحضور صلاح الدين الذهبي، المدير العام لهندسة المياه، والمديرين المركزيين ومسؤولي مختلف وكالات الأحواض المائية.

اجتماع لم يكن مخصصا فقط لعرض الأرقام والمعطيات الخاصة بالموارد المتوفرة، بل تحول إلى محطة لمراجعة ما تحقق على الأرض، وما تبقى من مشاريع، وما ينبغي تسريع وتيرته خلال المرحلة المقبلة.

فالمغرب يخوض اليوم سباقا مع الزمن لتقوية بنيته المائية. والسدود، التي ظلت لعقود العمود الفقري للسياسة المائية الوطنية، أصبحت جزءا من منظومة أوسع تتقدم داخلها تحلية المياه باعتبارها موردا إضافيا، إلى جانب تدبير المياه الجوفية وربط المناطق بمصادر التزويد وتعزيز القدرة على مواجهة الفيضانات.

لهذا وضع بركة سرعة الإنجاز في صلب التوجيهات الموجهة إلى المسؤولين عن القطاع، داعيا إلى تسريع المشاريع المهيكلة، سواء تعلق الأمر بالسدود أو محطات تحلية المياه أو باقي المنشآت المبرمجة، مع التشديد على احترام آجال الإنجاز.

فالمرحلة، وفق التوجه الذي عبر عنه الوزير، لم تعد تسمح بأن يبقى المشروع المائي مجرد ورش مفتوح، لأن القيمة الحقيقية لهذه الاستثمارات تبدأ لحظة دخولها الخدمة وقدرتها على توفير موارد إضافية وتأمين حاجيات المناطق المستفيدة منها.

وفي قلب هذا التصور، برز هدف يرتبط مباشرة بالحياة اليومية للمواطنين: تأمين التزويد بالماء الصالح للشرب بنسبة 100 في المائة.

وفي المقابل، حدد الوزير سقفا آخر يتعلق بالفلاحة، من خلال الدعوة إلى تعبئة الجهود للاستجابة لما لا يقل عن 80 في المائة من حاجيات مياه الري.

رقمان يكشفان حجم الرهان المطروح على المنظومة المائية خلال المرحلة المقبلة، لأن تأمين ماء الشرب وحاجيات السقي لا يرتبط فقط بما هو متوفر اليوم من موارد، وإنما بالقدرة على توقع الطلب مستقبلا وتوفير البنيات اللازمة قبل ظهور الخصاص.

لكن تحدي الماء لا يطرح بالطريقة نفسها في كل مناطق المملكة. ففي الوقت الذي تتوفر فيه المراكز الحضرية على شبكات واسعة للتوزيع، ما يزال الولوج إلى الماء الصالح للشرب في العالم القروي يطرح تحديات مرتبطة بتشتت السكان وبعد بعض الدواوير عن شبكات التزويد.

من هنا جاء تشديد بركة على تقوية التنسيق مع الشركات الجهوية متعددة الخدمات، حتى لا تبقى معالجة إشكالية الماء في المناطق القروية موزعة بين عدد من المتدخلين دون التقائية كافية.

والرسالة هنا واضحة: لا يمكن الحديث عن أمن مائي وطني إذا ظل الولوج إلى الماء متفاوتا بين المجالات.

أما المعركة الأخرى فتوجد تحت الأرض.

فالمياه الجوفية تحولت، خصوصا خلال سنوات الجفاف، إلى أحد أهم مصادر تلبية الطلب في عدد من المناطق. غير أن ارتفاع الضغط عليها يجعل حمايتها قضية تتجاوز توفير الماء اليوم إلى ضمان وجوده غدا.

لهذا عاد ملف عقود الفرشات المائية بقوة إلى طاولة الاجتماع، حيث طالب الوزير باستكمال إعدادها باعتبارها أداة لتنظيم استغلال الموارد الجوفية والحفاظ على استدامتها.

وإذا كانت الندرة تمثل وجها من وجوه التحدي المناخي، فإن الفيضانات تمثل الوجه الآخر. المغرب مطالب في الوقت نفسه بتدبير سنوات يقل فيها الماء، والاستعداد للحظات قد تتحول فيها التساقطات الغزيرة إلى مصدر للخطر.

ومن هذه الزاوية، دعا بركة إلى تسريع إنجاز أطلس المناطق المهددة بالفيضانات، بما يمكن من الانتقال من التدخل بعد وقوع الخطر إلى تحديد المناطق الحساسة مسبقا وإدماج معطيات المخاطر في التخطيط واتخاذ الإجراءات الوقائية لحماية السكان والممتلكات.

ما خرج به اجتماع الرباط، إذن، يتجاوز تدبير الوضعية المائية الراهنة. فالرهان المطروح هو بناء منظومة أكثر قدرة على التعامل مع ندرة الماء كما مع مخاطره، وعلى تنويع مصادر التزويد بدل الارتهان لمصدر واحد.

وهو ما يفسر حضور مفهوم السيادة الاستراتيجية بقوة في توجيهات الوزير، استنادا إلى التوجيهات الملكية في مجال الماء. فالأمن المائي أصبح مرتبطا بالأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي والعدالة المجالية، وأي ضغط على الموارد يمكن أن يمتد أثره إلى قطاعات متعددة.

وبين سدود ينبغي تسريعها، وتحلية تتوسع، وفرشات جوفية مطلوب حمايتها، وقرى تنتظر تعزيز الولوج إلى الماء، ومناطق ينبغي تحصينها من مخاطر الفيضانات، تدخل السياسة المائية مرحلة يصبح فيها عامل الزمن حاسما.

لأن معركة الماء لم تعد تدار فقط عندما ينخفض منسوب السدود أو يتأخر المطر، بل قبل ذلك بكثير: في المشروع الذي ينجز في موعده، والمورد الذي تتم حمايته، والشبكة التي تصل إلى القرية، والخطر الذي يتم توقعه قبل أن يتحول إلى كارثة.

بقلم: عادل السحلي

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: عفوا !!