![]()
المهرجان الدولي للمسرح الجامعي بالدار البيضاء:
38 عاماً من صناعة المسرح والمعرفة وحوار الثقافات وتقارب شبيبة العالم عبر الإبداع والتعبير الفني
قراءة في تاريخ المسرح الجامعي المغربي من خلال ملصقات FITUC
إعداد وقراءة: أحمد طنيش
عندما نقرأ تاريخ المهرجان الدولي للمسرح الجامعي بالدار البيضاء، الممتد من سنة 1988 إلى سنة 2026، فإننا لا نستحضر فقط مسار تظاهرة فنية استطاعت أن تحافظ على استمراريتها عبر ما يقارب أربعة عقود، بل نستحضر تجربة ثقافية ومعرفية استثنائية قادتها الجهة المؤسسة والمنظمة كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك ـ الدار البيضاء، المغرب. هذه التجربة التي أسهمت في إعادة تشكيل جزء هام من المشهد المسرحي المغربي والعربي والدولي.
في هذا المسار تحول المهرجان، الذي يستعد بعد سنتين للاحتفاء بمرور أربعين سنة على تأسيسه، من مبادرة جامعية ذات أفق فني إلى مؤسسة ثقافية قائمة الذات، منفتحة على المرجعيات والمكونات الوطنية والعربية والإفريقية والدولية من تم لعبت أدواراً متعددة في التكوين والبحث العلمي ورسخت الدبلوماسية الثقافية الموازية وصناعة الأجيال.

من خلال تتبع ملصقات المهرجان المتعاقبة وعددها 37 ملصقا، يمكن قراءة كرونولوجيا دالة عن تاريخ المسرح الجامعي المغربي وتشعباته الكونية بما يحمله من أحلام وأسئلة وتحولات ورهانات مستقبلية.
فالملصق هنا ليس مجرد أداة تواصلية أو إعلان عن دورة جديدة، بل وثيقة وهوية بصرية وآلية تؤرخ لتحولات الفكر المسرحي الجامعي والدولي البيضاوي تحديدا، وتكشف طبيعة الأسئلة التي كانت تشغل الجامعة والمجتمع والفنانين في كل مرحلة عبر العقود الأربع.
1ـ من التأسيس إلى بناء الهوية: عقد البدايات (1988 ـ 1997) من الدورة 1 إلى الدورة 10
تكشف الملصقات الأولى للمهرجان عن لحظة تأسيسية بامتياز. فقد حضرت الرموز التجريدية والخطوط البصرية ذات الحمولة الدلالية المرتبطة بالمعرفة والجامعة والمسرح، في محاولة لصياغة هوية خاصة لمشروع ثقافي كان يبحث عن مكانه داخل المشهد الجامعي المغربي والكوني في نفس الوقت، وهنا نستحضر المهندس الأول لهذه المرجعية والهوية البصرية مع الفنان التشكيلي المغربي الكبير المبدع عبد الكبير ربيع، الذي سلم المشعل لأجيال من المبدعين المغاربة لتصميم ملصقات المراحل المتعاقبة للمهرجان.
مرحلة التأسيس لم يكن همها إنتاج ملصقات مبهرة بقدر ما كان الرهان هو الإعلان عن ميلاد فكرة جديدة بعدها المركزي أن يصبح المسرح جزءاً من المشروع البيداغوجي للجامعة المغربية، وأن تتحول المؤسسة الجامعية إلى فضاء للإبداع والحوار والتبادل الثقافي وطنيا ودوليا.
منذ دوراته الأولى رفع المهرجان شعارين ورزمين مؤسسين أحدهم له هوية بصرية من توقيع المبدع عبد الكبير ربيع، والثاني هوية المهرجان الفكرية والفنية والتأطيرية قادت الدورات العشر الأولى المؤسسة وباقي الدورات بروح فكرية، ومازالت تقوده لحد الآن: “حوار الثقافات وتقارب شباب العالم عبر الإبداع والتعبير الفني”، وهما شعارين سبقا زمنها، الأول هوية بصرية تقود المشروع بشكل مستمر، والثاني استشرف مبكراً مفاهيم ستصبح لاحقاً جزءاً من الخطاب الثقافي العالمي، مثل التنوع الثقافي والدبلوماسية الثقافية وهندستها وحوار الحضارات.
خلال هذه المرحلة تمكن المهرجان من تحقيق ثلاث وظائف أساسية:
- إدماج المسرح في الحياة الجامعية المغربية باعتباره أداة للتكوين والتربية الجمالية؛ وهي المرحلة التي تأسست فيها المحترفات المسرحية في الجامعات المغربية، لغاية إعداد عرض مسرحي يشارك ضمن فعاليات المهرجان الدولي للمسرح الجامعي للدار البيضاء؛
- خلق فضاء للتبادل بين شباب الجامعات من مختلف دول العالم، من نقطة انطلاق “الدار البيضاء”؛
- تأسيس شبكة من العلاقات الثقافية الدولية، التي ستشكل لاحقاً أحد أهم عناصر قوة المهرجان.
2ـ من التظاهرة إلى المؤسسة: عقد المأسسة والتراكم (1998 ـ 2008) من الدورة 11 إلى الدورة 20
تمثل هذه المرحلة لحظة انتقال نوعي في مسار المهرجان. فبعد سنوات التأسيس، بدأ المشروع يكتسب ملامح المؤسسة الثقافية القادرة على إنتاج المعرفة إلى جانب إنتاج الفرجة.
وأصبحت الموائد المستديرة والندوات الفكرية والمناظرات الدولية جزءاً أصيلاً من البرنامج العام للمهرجان، مما جعل المسرح موضوعاً للبحث والدراسة والتحليل، إلى جانب الممارسة الفنية، تكوينا وفرجة.
في هذه الفترة بدأت تتبلور آثار المهرجان داخل الجامعة المغربية، من خلال تنامي الاهتمام بالدراسات المسرحية، وظهور تخصصات أكاديمية ومشاريع بحثية جديدة، وهو ما ساهم في تهيئة الأرضية لظهور الإجازات المهنية والماسترات المتخصصة ومختبرات الدكتوراه ومختبرات البحث التي جعلت المسرح موضوعاً أكاديمياً قائماً بذاته.
لقد تحول FITUC خلال هذه المرحلة إلى فضاء يلتقي فيه الفنان والباحث والطالب والناقد والإعلامي، وطنيا ودوليا، في تجربة نادرة جمعت بين الممارسة الفنية والإنتاج المعرفي.
3ـ المسرح بوصفه سؤالاً فكرياً: عقد التحولات الكبرى (2009 ـ 2018) من الدورة 21 إلى الدورة 30
مع بداية الألفية الثالثة واتساع التحولات العالمية، انتقلت ملصقات المهرجان من التمثيل المباشر لفكرة المسرح إلى التعبير عن القضايا والأسئلة الكبرى التي تشغل الإنسان المعاصر، لم يعد هنا المهرجان مجرد فضاء للعروض، بل تحول إلى مختبر عالمي للتفكير في قضايا العصر من خلال الفن، وإلى منصة للحوار بين التجارب المسرحية والثقافات المختلفة، ترسيخا وتنزيلا للموضوعات التالية:
- المسرح والتحولات؛
- المسرح والتفاعل؛
- المسرح والهوية؛
- المسرح والمواطنة؛
- المسرح والطقوس؛
- المسرح والعولمة؛
- الهجرة والتحولات الثقافيةوالحركة؛
- الشباب والمسرح والمجتمع؛
- المسرح والبعد النفسي والاجتماعي؛
- المسرح والتعبيرات المتنوعة؛
- الصمت من أجل انطلاقة جديدة؛
- الحركة.
4ـ الملصق باعتباره خطاباً بصرياً: نحو أفق الأربعين سنة (2019 ـ 2025) من الدورة 31 إلى 37
خلال السنوات الأخيرة اتجهت الهوية البصرية للمهرجان نحو مزيد من التكثيف الرمزي والجمالي، وسعة الرؤيا.
أصبحت الصورة الرقمية أكثر حضوراً، كما برز الجسد المسرحي باعتباره حاملاً للمعنى، وانفتح الخطاب البصري على الوسائط الجديدة والعوالم الافتراضية، في انعكاس واضح للتحولات التي يعرفها العالم المعاصر.
وتكشف تيمات الدورات الأخيرة، عن وعي متزايد بدور المسرح في مساءلة التحولات الاجتماعية والتكنولوجية والهموم الثقافية المتواترة التي يعرفها القرن الحادي والعشرون، من قبيل:
- المسرح والتغيير؛
- المسرح والحلم؛
- المسرح والتأقلم؛
- إعادة خلق المسرح؛
- المسرح والعوالم الافتراضية؛
- المسرح والجنون؛
- المسرح والدبلوماسية الثقافية والفنية.
ماذا حقق المهرجان؟
لا يمكن قياس أثر المهرجان بعدد الدورات التي نظمها فقط، بل بما راكمه من أثر بشري وثقافي وعلمي وجمالي:
ـ على المستوى المسرحي: ساهم المهرجان في تكوين أجيال من الممثلين والمخرجين والسينوغرافيين والكتاب المسرحيين، وممتهني ومدرسي المجال الفني عموما؛
ـ على مستوى التلقي: رسخ المهرجان لمسرح قريب من التجريب والبحث العلمي وغير مضحي بالفرجة الهادفة؛
ـ الشراكات الإبداعية والفنية: وفر المهرجان فضاءً للتبادل والتفاعل بين التجارب المغربية والعربية والدولية، على مستوى الإبداع وتلاقح التجارب من جانب التأثير والتأثر؛
ـ على المستوى الأكاديمي: يعتبر المهرجان أحد الروافد الأساسية التي دعمت ترسيخ الدراسات المسرحية داخل الجامعة المغربية، وأسهم بشكل ملحوظ في تشجيع البحث العلمي وربط النظرية بالممارسة الفنية؛
ـ على المستوى البشري: أنتج المهرجان رأسمالاً ثقافياً كبيراً. فالعديد من طلبة الأمس أصبحوا اليوم أساتذة جامعيين وباحثين ونقاداً وإعلاميين ومديري مهرجانات ومهندسي مشاريع ثقافية، فيما انتقل آخرون من المسرح الجامعي إلى فضاءات الاحتراف والإبداع داخل المغرب وخارجه، في مجالات متلاقحة مع المسرح من تشكيل وموسيقى وسينما وغيرها؛
ـ على المستوى الديبلوماسية الثقافة الدولية: نجح المهرجان في بناء شبكة واسعة من العلاقات والشراكات مع مؤسسات وجامعات وفرق مسرحية من مختلف القارات، مما جعل من الدار البيضاء محطة عالمية للحوار الثقافي والشبابي عبر المسرح، وتحولت البيضاء بفضله لعاصمة المسرح الجامعي.
نحو أربعينية مؤسسة ثقافية لا مهرجان فقط
إذا كان من الممكن اختزال تجربة المهرجان الدولي للمسرح الجامعي بالدار البيضاء في عبارة واحدة، فيمكن القول إنه لم يكن مجرد مهرجان عمره ثمانية وثلاثون عاماً، بل مؤسسة ثقافية ومعرفية موازية داخل الجامعة المغربية، لقد أنتج المعرفة مثلما أنتج الفرجة، وصنع الباحث مثلما صنع الممثل والفاعل الثقافي والفني، وأسهم في تكوين أجيال من الفاعلين الذين انتقلوا من خشبة المسرح الجامعي إلى فضاءات الإبداع والبحث العلمي والإعلام والصناعات الثقافية.
مع اقتراب سنة 2028، التي ستشهد الاحتفاء بأربعين سنة من الحضور والتفاعل، يبرز FITUC باعتباره جزءاً من الذاكرة الثقافية المغربية والعربية والإفريقية والدولية، لكونه تجربة تستحق التوثيق والدراسة بوصفها أحد أهم مشاريع المسرح الجامعي في العالم العربي، وتجربة دولية هامة ومختلفة، وأحد النماذج النادرة التي نجحت في الجمع بين الفن والمعرفة وحوار الثقافات عبر الأجيال.












