![]()
أفرزت النقاشات المعمقة خلال الجلسة الأولى من الدورة العاشرة للمؤتمر الإفريقي السنوي للسلام والأمن المعروف اختصارا بـ”APSACO”، تشخيصا دقيقا لواقع البنيات المؤسساتية في القارة السمراء، حيث أجمع الخبراء على أن العديد من دول المنطقة باتت تواجه وَهْناً تدريجيا يمس أجهزتها السيادية، وهذا التآكل المطرد في كفاءة جهاز الدولة يضعف من قدرة الحكومات على تلبية الاحتياجات الحيوية للشعوب، مثلما يقوض جاهزيتها الإدارية والميدانية في احتواء الأزمات المركبة التي تتكاثر في البيئات الهشة.
وفي قراءة رصينة لمعادلة الاستقرار بالمنطقة، خلص المشاركون إلى أن مقاربة الأزمات الأمنية من زاوية بندقية الجندي فقط لم تعد تجدي نفعا، فالردود العسكرية الصرفة قد تبدو ملحة لفرض النظام المؤقت في بعض الظروف الاستثنائية، لكنها تظل عاجزة تماما عن استئصال الجذور العميقة المغذية لعدم الاستقرار، وهو ما يستوجب بالضرورة صياغة تسويات سياسية شاملة تنفذ إلى عمق الإشكاليات الهيكلية وتؤسس لسلام دائم يبدأ من التنمية وينتهي بالحوار.
واقع أمني جديد

وفي هذا السياق، ركز غاربا عبدول عزيزو، باحث مشارك في مركز دراسات الأزمات والنزاعات الدولية بجامعة لوفان الكاثوليكية، والمستشار الخاص السابق لرئيس جمهورية النيجر، على طبيعة التحولات الجيوسياسية الراهنة، موضحا أن السمة الأبرز لإفريقيا اليوم تتجلى في تشكل مركبات أمنية إقليمية شديدة التعقيد والتداخل، وهو واقع جديد يفرض الإقرار بانتهاء عهد الحلول الأحادية، إذ لم يعد بمقدور أي دولة، مهما بلغت قوتها العسكرية أو مقدراتها الاقتصادية، أن تواجه تحديات العنف العابر للحدود بمفردها، مما يجعل العمل الجماعي قدرا استراتيجيا لا بديل عنه.
وامتدادا لهذا التحليل، دعا المسؤول الأمني السنغالي إلى بناء منظومة تعاونية موسعة تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة، مقترحا صياغة إطار تنسيقي يربط بين تحالف دول الساحل والمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا ودول خليج غينيا، ويهدف هذا التكتل المقترح إلى تسريع وتيرة تحول قطاع الأمن الإقليمي، وتطوير العقائد العسكرية المشتركة بما يتلاءم مع طبيعة التهديدات غير النمطية التي تواجهها القارة برمتها.
وفي سياق استعراض الدروس المستفادة من المقاربات السابقة، قدم المتحدث تقييما موضوعيا لتجربة منطقة الساحل التي حاولت التوليف بين مساري التنمية والأمن، مستعرضا مواطن القصور والمحدودية التي طبعت آليات عمل “مجموعة دول الساحل الخمس”، والتي عانت من ارتهان بنيوي للتمويلات الخارجية، حيث يظهر التدهور الأمني الأخير في المنطقة أن غياب الاستقلالية المالية والاعتماد على الأجندات الدولية يجهضان المشاريع الأمنية الوطنية.
وأكد عبد العزيزو أن قراءة التاريخ السياسي المعاصر للمنطقة تفرض التمييز بوضوح بين ثبات الدولة وتغير السلطة، فالأنظمة الحاكمة تظل عابرة ومؤقتة بطبيعتها، بينما تستمر الدولة كمؤسسة وهوية جامعة، وتثبت سلسلة الانقلابات العسكرية وتغييرات الأنظمة المتلاحقة التي شهدتها المنطقة مؤخرا أن المشاهد السياسية الراهنة هي مجرد ترتيبات ظرفية مؤقتة، وأن الرهان الحقيقي يجب أن ينصب على تقوية صلب الدولة لا على حماية النخب المتغيرة.

إعادة تشكيل التوازنات
من جانبه، أوضح سيدي محمد سيدي، محام وأستاذ القانون وخبير السياسات العمومية، بموريتانيا، أن هناك ثنائية ثابتة في منطقة إفريقيا جنوب الصحراء تؤكد تلازم المسارين العسكري والسياسي وعدم إمكانية الفصل بينهما، مشيرا إلى أن تحالف دول الساحل يمثل تجسيدا حيا لهذا التلازم عبر صياغته لميثاق سياسي وأمني جديد يفرض هندسة استراتيجيات مرنة ومبتكرة للتعامل مع إفرازاته، ومستدلا في الوقت ذاته بطبيعة العلاقات الرابطة بين هذا التحالف والمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا التي يراها البنية المؤسساتية الأكثر صمودا واستدامة في تاريخ القارة لتفسير ملامح التحول الجيوسياسي الراهن.
وأضاف المتحدث أن هذا التكتل الإقليمي الفتي يحمل في طياته عقيدة سيادية جديدة للدول الأعضاء، نجحت في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية وتفكيك أطر التعاون التقليدية الموروثة، مما يستدعي مواكبة دقيقة ورصدا مستمرا للتحولات البنيوية الداخلية في دول التكتل لاستشراف الكيفية التي ستدير بها مستقبلا قنوات التواصل والتعاون مع المنظمات الإقليمية والشريكة على الصعيد الدولي.
وتفكيكا للأزمات المركبة في النيجر ومالي وبوركينا فاسو، شدد الخبير الاستراتيجي على أن تعقيد المشهد الأمني بهذه الدول يفرض صياغة مقاربات مندمجة تعيب الفصل بين التهديد الميداني والحل السياسي، مؤكدا أن التوجهات الراهنة تحتم بوضوح حصر صناعة القرار والحلول في اليد الإفريقية الخالصة مع الاحترام التام للخيارات السيادية للشعوب، مع ضرورة إدراج حجم وتأثير التدخلات الأجنبية في أي تمرين تحليلي بغية صياغة ردود إفريقية للأزمات المحلية تنطلق من قراءة واقعية ومنصفة لخصوصية السياق الوطني لكل دولة.
مواجهة الأزمات المركبة
أبرزت سامبالا باليما، المديرة العامة المساعدة للمركز الوطني للدراسات الاستراتيجية، بوركينا فاسو، أن المشهد الإفريقي يمر بقطيعة استراتيجية كبرى تتجسد في الشرخ المؤسساتي الناجم عن انسحاب “تحالف دول الساحل” من منظمة “سيداو”، موضحة أن هذا التحول يعيد هندسة الفضاء الأمني والإقليمي ويقسمه إلى كتلتين متمايزتين، مما يدفع المنطقة نحو دينامية جديدة قائمة على التعددية المحدودة أو ما يُعرف بـ “العمل متعدد الأطراف المصغر”.
وذكّرت المتحدثة بالخطوات الاستباقية التي تم اتخاذها منذ مطلع العقد الحالي لمواجهة التهديد الإرهابي في بوركينا فاسو، حيث تم الانخراط في إصلاح عميق لقطاع الأمن، وهذا الإصلاح أسفر عن صياغة إطار مرجعي جديد للأمن القومي، يرتكز على استراتيجيات وطنية وقطاعية ونوعية دقيقة، جرى تنزيلها وتفعيلها بشكل منسق على مستوى مختلف الوزارات والمؤسسات المعنية.
واختتمت بالإشارة إلى أن هذا التطور يمثل قطيعة مفاهيمية جوهرية، تنقل الدولة من المقاربات الكلاسيكية المحصورة في الدفاع والأمن الداخلي إلى رؤية شاملة تضع “الأمن الإنساني” في صلب أولوياتها، مؤكدة أن طبيعة الأزمة الراهنة بوصفها أزمة متعددة الأبعاد تتطلب بالضرورة صياغة استجابة موسعة وشاملة، تشترك في صياغتها وتنفيذها كافة الأطراف والفاعلين، بدءاً من الجماعات المحلية وصولاً إلى صناع القرار في المستوى المركزي للدولة.










