الاستقرار على المحك.. خبراء ومسؤولون عسكريون يفككون إرث عقد من عمليات حفظ السلام في إفريقيا (صور)

محمد زريزرمنذ ساعتينآخر تحديث :
الاستقرار على المحك.. خبراء ومسؤولون عسكريون يفككون إرث عقد من عمليات حفظ السلام في إفريقيا (صور)

Loading

وضعت الدورة العاشرة للمؤتمر الإفريقي السنوي للسلام والأمن، المعروف اختصارا بـ”APSACO”، المنعقد اليوم الخميس 11 يونيو 2026 بمركز السياسات من أجل الجنوب الجديد الذي يتخذ من جامعة محمد السادس متعددة التخصصات بالرباط مقرا له، هواجس الاستقرار القاري على المحك، عبر جلسة علمية رفيعة المستوى خُصصت لاستخلاص الدروس الاستراتيجية من حصيلة عقد كامل من عمليات حفظ السلام في إفريقيا.

وبحثت هذه المنصة التحليلية في كواليس التطور البنيوي للتفويضات والولايات الدولية الممنوحة، كما رصدت التحولات الجارية في بيئات التدخل الميداني، مسلطة الضوء على التوترات المحورية القائمة بين مساعي تحقيق الاستقرار السياسي، ومأسسة الشرعية الهيكلية للمؤسسات، ومستقبل التبني الإقليمي والسيادي للحلول الأمنية من لدن الأفارقة أنفسهم.

وفي هذا السياق، شكلت هذه النسخة، محطة فكرية لتشريح البنية الأمنية للقارة، حيث ركزت النقاشات على مراجعة عقيدة عمليات حفظ السلام الأممية والإقليمية التي استضافتها البيئات الإفريقية الهشة على مدى العقود الماضية.

وأجمع الخبراء والممارسون السياسيون والعسكريون على أن التحولات الجيوسياسية المتسارعة تفرض قطيعة إبستمولوجية مع المقاربات التقليدية، والاتجاه نحو صياغة تكتلات أمنية وسيادية تنبع من الإرادة الإفريقية الخالصة وتعتمد على التمويل الذاتي لمواجهة التهديدات العابرة للحدود.

حدود المقاربة التقليدية وأزمة الشرعية الميدانية

تفكيكا لإرث التواجد الأممي بالقارة، أوضح جيروم ميلون، مسؤول الشؤون السياسية في منظمة الأمم المتحدة، أن آليات حفظ السلام التي استقرت في إفريقيا منذ أربعينيات القرن الماضي واجهت اختبارات عسيرة فرضتها طفرة الإرهاب والانقلابات العسكرية المتلاحقة، مشددا على أن هذه البعثات لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تتقمص دور البديل عن التسويات السياسية الوطنية، فنجاح أية بعثة أممية مشروط بوجود توافق سياسي محلي، وبناء شرعية حقيقية تتجاوز وفرة العتاد العسكري لتنال اعتراف الحكومات والساكنة ضمن بيئة باتت ملوثة بالتشرذم والتضليل الإعلامي.

وفي السياق ذاته، اعتبر الدبلوماسي والباحث المغربي في العلاقات الدولية، هشام المومي، أن الجغرافيا الإفريقية تحولت إلى مختبر قسري ومؤلم لإعادة تقييم نموذج حفظ السلام عبر عمليات نشر واسعة النطاق بتنسيق بين المنتظم الدولي والاتحاد الإفريقي، لافتا إلى أن المكتسبات المحققة في حماية المدنيين ودعم الحوار لا تحجب المعيقات الهيكلية المستمرة، والمتمثلة في الارتهان البنيوي لأجندات المانحين، وضبابية الاستراتيجيات السياسية المصاحبة للتدخلات، وغياب التناسب بين طبيعة التفويضات الممنوحة وحجم الموارد المرصودة على الأرض.

وامتدادا لتشريح جوانب القصور في النماذج التقليدية، قدم الجنرال سيديكي دانيال تراوري، المستشار العسكري لرئيس أركان القوات المسلحة ببوركينا فاسو، قراءة مقارنة بين تجارب البعثات الأممية، مستدلا ببعثة “مينوسما” في مالي التي كشفت عن عجز النمط الكلاسيكي في التكيف مع حروب الجيل الجديد وتداخل الإرهاب العابر للحدود مع الجريمة المنظمة، بينما قدمت بعثة “مينوسكا” في إفريقيا الوسطى نموذجا نسبيا لإمكانية دعم سلطة الدولة وحماية المدنيين، مبرزا أن العقد الممتد بين 2015 و2025 أثبت أن السلام المستدام لا يتأسس على المقاربات الأمنية الصرفة، بل يستلزم حكامة شاملة واستقرارا سياسيا داخليا.

نحو بارادايم إفريقي جديد

وشهدت الجلسات طرح البدائل الاستراتيجية النابعة من عمق التجربة الإفريقية، حيث أشار الخبراء إلى أن أمن منطقة الساحل يجب أن يصاغ ويدار ويضمن من لدن أبناء المنطقة أنفسهم، معتبرين أن توفر الإرادة المشتركة والتعزيز المؤسساتي والتمويل الإقليمي كفيل بتحويل هذا التنسيق إلى نموذج غير مسبوق للسيادة الأمنية في القارة، يتجاوز منطق “الاستقرار أولا والتنمية لاحقا” الذي أثبتت التجربة الميدانية عقمه وفشله، لصالح مقاربة مندمجة تلغي التراتبية بين الأمن والتنمية وتتعامل معهما كمسار متصل واحد.

وتعزيزا للمقاربة الميدانية المبنية على الفعالية والشمول، استعرضت القائدة مامي روخايا لو، الرائد في الدرك الوطني السنغالي، خلاصات تجربتها في بعثة “مينوسكو” بجمهورية الكونغو الديمقراطية بين عامي 2021 و2023، مؤكدة أن إدماج مقاربة النوع الاجتماعي والرفع من نسبة مشاركة النساء في الوحدات الميدانية من 3.18% إلى 16% لم يكن مجرد إجراء شكلي، بل شكل عاملا حاسما في تعزيز شرعية البعثات وبناء جسور الثقة مع الساكنة المحلية، لاسيما الفئات النسائية التي استشعرت أمانا أكبر في التواصل مع الوحدات المؤنثة وفهم احتياجاتها الخاصة.

ودعا المشاركون إلى ضرورة تسريع الانتقال الاستراتيجي من مرحلة “تحقيق الاستقرار” المؤقت إلى مرحلة “التحول الهيكلي” المستدام، وهو مسار يقتضي حتما فك الارتباط المالي مع القوى الخارجية وتأمين تمويل إفريقي ذاتي ومستقل لإدارة العمليات العسكرية والسلمية التي تقودها القارة، مما يضمن صيانة السيادة الوطنية ويحمي القرار الأمني الإقليمي من التجاذبات الجيوسياسية الدولية التي غالبا ما تستغل الأزمات المحلية لخدمة مصالحها الخاصة.

كما شدد المتدخلون على أهمية تقوية الركائز الفكرية والاجتماعية للمقاربات الأمنية الجديدة من خلال إشراك حقيقي وممنهج لمنظمات المجتمع المدني، والنخب الشابة، والفاعلين المحليين في صناعة القرار وتدبير الأزمات، على اعتبار أن تحصين المجتمعات من التطرف العنيف والاستلاب الفكري يبدأ من تمكين القواعد الاجتماعية وبناء مؤسسات وطنية قوية قادرة على استيعاب تطلعات المواطنين، والقطع مع قوالب التدخل الجاهزة التي تسقطها القوى الأجنبية دون مراعاة لخصوصية السياقات السوسيولوجية المحلية.

هذا وتؤطر هذه النقاشات الرفيعة لوعي استراتيجي إفريقي متجدد، ينتقل فيه الفاعل الإفريقي من موقع المتلقي والمستهلك للعقائد الأمنية المستوردة إلى موقع المنتج والمطور لآليات فض النزاعات، مستندا في ذلك على قراءة واقعية ومنصفة للأزمات المركبة، ومؤمنا بأن صياغة مستقبل السلم والأمن في القارة تظل مسؤولية تاريخية تقع بالدرجة الأولى على عاتق الدول الإفريقية ومؤسساتها الإقليمية المشتركة لتكريس عهد جديد من الاستقرار والتنمية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: عفوا !!