![]()
تعود أسعار النفط إلى واجهة الضغوط التي تواجه الاقتصاد المغربي، بعدما اقترب سعر البرميل من عتبة 110 دولارات في الأسواق العالمية، في ظرفية دولية تتسم باستمرار التوترات الجيوسياسية وحالة من عدم اليقين التي تلقي بظلالها على أسواق الطاقة.
ولا يتوقف أثر هذه التطورات عند حركة الأسعار في الأسواق الدولية، إذ ينعكس ارتفاع النفط بشكل مباشر على كلفة الطاقة بالمغرب، بالنظر إلى اعتماد المملكة على استيراد الجزء الأكبر من حاجياتها الطاقية، وهو ما يجعل الفاتورة الطاقية عرضة للتقلبات الخارجية.
وتكتسب هذه التطورات أهمية أكبر على المديين القصير والمتوسط، بعدما أصبحت الصدمات المرتبطة بأسعار النفط والإمدادات العالمية عاملاً مؤثراً في التوازنات المالية والاقتصادية، في وقت تتواصل فيه الصراعات المسلحة في عدد من مناطق الإنتاج ومسارات العبور.
التوترات الجيوسياسية تعيد رسم خريطة أسعار الطاقة
في قلب هذه المعادلة، تبرز التوترات التي تشهدها مناطق وممرات بحرية استراتيجية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، الذي يشكل أحد المسارات الرئيسية لإمدادات الطاقة العالمية.
وتساهم المخاوف المرتبطة بأمن هذه الممرات في رفع علاوة المخاطر الجيوسياسية داخل أسواق النفط والغاز، فيما تتزايد المخاوف أيضاً بشأن احتمال تأثر مضيق باب المندب، في ظل تصاعد التهديدات بإغلاقه من طرف الحوثيين في اليمن.
ولا تقتصر تداعيات هذه التطورات على أسعار النفط، إذ تؤثر اضطرابات الملاحة في حركة التجارة البحرية العالمية، مع اضطرار السفن إلى تغيير مساراتها وارتفاع تكاليف التأمين والشحن البحري.
وتأتي هذه التطورات في سياق دولي أكثر تعقيداً، تواصل فيه الحرب في أوكرانيا منذ سنة 2022 التأثير في أسواق الطاقة الأوروبية والعالمية، بالتزامن مع استمرار التصعيد العسكري في الشرق الأوسط.
وبالنسبة للمستهلك المغربي، تظهر انعكاسات هذه الضغوط من خلال تطورات أسعار المحروقات في السوق الوطنية، ومن بينها الزيادات المسجلة ضمن التحيين نصف الشهري للأسعار خلال صيف 2026.
107.56 مليار درهم.. فاتورة طاقية مرشحة للارتفاع
وتكشف أرقام مكتب الصرف حجم الحساسية التي تكتسيها تحركات أسعار الطاقة بالنسبة للاقتصاد الوطني.
فقد أنهى المغرب سنة 2025 بفاتورة طاقية بلغت 107.56 مليار درهم، رغم تسجيلها تراجعاً بنسبة 5.5 في المائة مقارنة بسنة 2024.
غير أن المعطيات الخاصة بسنة 2026 تشير إلى مسار مختلف، بعدما ارتفعت واردات الطاقة بنسبة 12 في المائة خلال الأشهر الأربعة الأولى من السنة، لتبلغ قيمتها حوالي 41.8 مليار درهم.
وتعكس هذه الأرقام، وفق المعطيات الواردة، حجم التأثير الذي يمكن أن تحدثه اضطرابات الأسواق الدولية وسلاسل الإمداد على ميزان الأداءات، خصوصاً في ظل استمرار الضغوط الجيوسياسية على طرق التجارة والطاقة.
ومع استمرار هذا المسار، يبرز تساؤل حول حجم الفاتورة التي قد يسجلها المغرب مع نهاية سنة 2026، في ظل ظرفية دولية تتسم بارتفاع مستويات التوتر وعدم وضوح آفاق التسوية في عدد من بؤر الصراع.
ضغط متزايد على المالية العمومية
ولا تنحصر تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة في فاتورة الواردات، بل تمتد إلى عدد من التوازنات المالية والاقتصادية الداخلية.
فارتفاع قيمة الواردات الطاقية يساهم في زيادة الضغط على العجز التجاري، كما يرفع الحاجة إلى العملة الصعبة، في وقت ترتفع فيه كلفة استيراد المواد البترولية المكررة وغاز البوتان.
كما تواجه الميزانية العمومية أعباء إضافية مرتبطة بتدبير أسعار بعض المواد، بما في ذلك مخصصات الدعم الموجهة إلى الحفاظ على استقرار أسعار قنينات الغاز، فضلاً عن تدخلات موجهة لدعم مهنيي النقل تفادياً لتداعيات اجتماعية محتملة.
ويمتد أثر ارتفاع الطاقة كذلك إلى الأسعار الداخلية، من خلال زيادة تكاليف النقل والمواد الأولية، بما قد ينعكس على مستويات التضخم ويزيد من صعوبة الحفاظ على التوازنات الماكرو-اقتصادية.
وأمام هذه المعطيات، تفرض تقلبات سوق الطاقة تحديات إضافية على تدبير المالية العمومية، في ظل ارتباط الاقتصاد الوطني بدرجة كبيرة بتطورات الأسواق الدولية.
الانتقال الطاقي في مواجهة تقلبات الأسواق
وفي خضم هذه الضغوط، يبرز تسريع أوراش الانتقال الطاقي كأحد المسارات المطروحة للحد من تأثير الصدمات الخارجية، إلى جانب تعزيز قدرات التخزين الاستراتيجي للمواد البترولية وتقليص حجم الارتهان لتقلبات الأسواق العالمية.
ويرى محللو اقتصاديات الطاقة، وفق ما يرد في المعطيات المتداولة، أن توسيع الاستثمار في الطاقات المتجددة يمكن أن يشكل آلية لتعزيز السيادة الطاقية وتقليل تعرض الاقتصاد الوطني للصدمات المرتبطة بأسعار النفط والغاز.
وبين تقلبات السوق الدولية واستمرار التوترات الجيوسياسية، تجد الفاتورة الطاقية المغربية نفسها مجدداً أمام اختبار صعب، فيما تظل قدرة الاقتصاد على امتصاص هذه الصدمات مرتبطة بتطور الأسعار العالمية وبمسار تنويع مصادر الطاقة خلال المرحلة المقبلة.










