احتجاجات الثانويات تهز فرنسا.. توقيفات بالآلاف وامتداد الغضب إلى الجامعات وسط سجال سياسي محتدم

بنونة فيصلمنذ 56 دقيقةآخر تحديث :
احتجاجات الثانويات تهز فرنسا.. توقيفات بالآلاف وامتداد الغضب إلى الجامعات وسط سجال سياسي محتدم

Loading

تتسع رقعة الاحتجاجات الطلابية في فرنسا، مع انتقالها من مطالب إصلاح التعليم إلى مواجهة سياسية وأمنية متصاعدة، بعدما انضم طلبة جامعيون إلى التحركات، وسجلت السلطات مئات الإصابات وآلاف التوقيفات، بينما تتبادل الحكومة وحزب «فرنسا الأبية» الاتهامات بشأن المسؤولية عن تأجيج التوتر.

دخلت احتجاجات تلاميذ الثانويات الفرنسية، الخميس، مرحلة جديدة من التصعيد، بعدما امتدت إلى عدد من المدن والجامعات، وتخللتها مواجهات وأعمال تخريب، في وقت تصاعد فيه الجدل بين الحكومة والمعارضة حول خلفيات الحركة وحدود التعامل الأمني معها.

وأفادت السلطات بتسجيل نحو 900 تحرك أمام المؤسسات الثانوية، فيما تجاوز عدد الموقوفين 1900 شخص خلال يوم واحد، وفق المعطيات المعلنة. كما تحدثت وزارة الداخلية عن إصابة أكثر من 300 عنصر من الشرطة والدرك، بينما أعلن وزير التربية الوطنية إدوار جيفراي إصابة 235 شخصاً من الوسط التعليمي، بينهم 65 من العاملين و160 تلميذاً.

مطالب تعليمية تتحول إلى أزمة وطنية

وتتمحور مطالب المحتجين حول زيادة الموارد المالية والبشرية المخصصة للتعليم، ومعالجة النقص في الأطر التربوية، وضمان تعويض الأساتذة الغائبين، إلى جانب إصلاح المؤسسات المتقادمة وتخفيف ضغط الجداول الدراسية.

كما يوجه جزء من التلاميذ انتقادات إلى منصة «باركورسيب» المعتمدة في توجيه الطلبة نحو التعليم العالي، معتبرين أن منظومة الانتقال إلى الجامعة تطرح بدورها إشكالات تستدعي المعالجة.

غير أن عدداً من التحركات خرج عن طابعها السلمي، وفق إفادات السلطات ومشاهدات صحافيي وكالة فرانس برس، إذ شهدت بعض المدن حرائق في حاويات النفايات وتخريب محطات انتظار الحافلات، إلى جانب استعمال الألعاب النارية والغاز المسيل للدموع، وتسجيل اعتداءات طالت مسؤولين داخل مؤسسات تعليمية.

وفي مرسيليا، تعرض أعضاء من إدارة ثانوية فيكتور هوغو لاعتداء، كما استهدف عناصر من فرق الإطفاء أثناء تدخلهم لإخماد حريق أمام ثانوية سانت إكزوبيري. وأعلنت السلطات أن نحو أربعين ثانوية في منطقة بوش دو رون ستعتمد الدراسة عن بعد يوم الجمعة.

الحكومة تتهم «فرنسا الأبية» والحزب يرفض الرواية

أمام اتساع الاحتجاجات، شددت مصالح الوزير الأول سيباستيان لوكورنو لهجتها، معتبرة أن الحركة انزلقت نحو ما وصفته بأعمال عنف حضري، وموجهة اتهامات إلى حزب «فرنسا الأبية» وجهات مرتبطة باليسار الراديكالي بالمساهمة في تنظيمها.

وتحدثت مصالح الوزير الأول عن «مناورة منظمة» تقف وراءها أطراف سياسية، مشيرة إلى أن أجهزة الاستخبارات تتبنى هذه القراءة، من دون تقديم تفاصيل إضافية بشأن المعطيات التي تستند إليها.

في المقابل، رفض منسق الحزب مانويل بومبار هذه الاتهامات، معتبراً أن الاحتجاجات انطلقت بصورة عفوية نتيجة الاستياء من ظروف التعليم والسياسات الحكومية.

وقال بومبار لوكالة فرانس برس إن الحركة تعكس رفضاً لأوضاع تعليمية وصفها بغير الملائمة، محملاً الحكومة المسؤولية السياسية عن الأزمة.

كما طالب زعيم الحزب جان لوك ميلانشون بالكشف عن الجهة الاستخباراتية التي استندت إليها الاتهامات، متسائلاً عن الأساس الذي بُني عليه الحديث عن دور حزبه في تحريك الاحتجاجات.

وكان الحزب قد أعلن دعمه لتحركات التلاميذ منذ بدايتها، كما شارك عدد من مسؤوليه وشخصياته في لقاء المحتجين ميدانياً. وأثارت تصريحات لعمدة سان دوني بالي باغايوكو، تحدث فيها عن إمكانية مشروعية العنف مع تأكيد ضرورة تجنبه، جدلاً إضافياً حول طبيعة هذا الدعم.

سجال انتخابي يواكب التصعيد

ولم يبق الخلاف محصوراً بين الحكومة و«فرنسا الأبية»، إذ دخلت شخصيات سياسية أخرى على خط المواجهة، في سياق يسبق الانتخابات الرئاسية الفرنسية بنحو سبعة أشهر.

واتهم غابرييل أتال، مرشح حزب النهضة، أطرافاً سياسية باستغلال الشباب في الصراع السياسي، بينما انتقد إدوار فيليب، مرشح حزب «آفاق»، ما اعتبره توظيفاً للاحتجاجات الطلابية، محذراً من احتمال انزلاق الوضع إلى مزيد من التوتر.

كما حملت مارين لوبان ميلانشون مسؤولية سياسية عن الأحداث، فيما دعا برونو روتايو، مرشح الجمهوريين، إلى بحث إمكانية حظر الحزب، مستنداً إلى اتهاماته بشأن علاقته بالعنف والدعوة إلى العصيان.

في المقابل، ركزت أصوات من اليسار على أسلوب تدخل قوات الأمن، إذ انتقد أوليفييه فور استخدام القوة في مواجهة التلاميذ، بينما دعت مارين توندولييه إلى وقف ما وصفته بالقمع غير المتناسب.

وفي هذا السياق، فُتحت ثلاثة تحقيقات من طرف المفتشية العامة للشرطة الوطنية، عقب إصابة تلاميذ خلال عمليات أمنية رافقت إغلاق مؤسسات تعليمية.

الجامعات تلتحق بالتحركات

ومن أبرز تطورات الخميس، انضمام طلبة جامعيين إلى الاحتجاجات، خصوصاً بمدينة رين، حيث صوّت طلبة معهد العلوم السياسية لصالح إغلاق المؤسسة، بالتوازي مع تحركات تضامنية داخل مؤسسات جامعية أخرى.

ورفع الطلبة مطالب تتعلق بالمساعدات الاجتماعية والتمويل الجامعي، وإنهاء تجميد مساعدات السكن، فضلاً عن الاعتراض على الرسوم الدراسية المرتفعة المفروضة على بعض الطلبة الأجانب القادمين من خارج الاتحاد الأوروبي.

كما التحق طلبة من كلية الحقوق بتجمعات تلاميذ الثانويات، معتبرين أن قضايا الاكتظاظ ونقص الموارد وصعوبات التعلم تتجاوز حدود المؤسسات الثانوية لتشمل منظومة التعليم برمتها.

وأفاد الاتحاد الطلابي بإغلاق نحو ثلاثين حرماً جامعياً صباح الخميس، فيما تحدثت وزارة التعليم العالي عن قرابة أربعين موقعاً شهدت عمليات إغلاق أو تخريباً.

ويعكس هذا الامتداد انتقال الاحتجاجات من مطالب مرتبطة بالحياة المدرسية إلى نقاش أوسع بشأن ظروف الدراسة والعدالة في الولوج إلى التعليم والخدمات الاجتماعية المصاحبة له.

حوار حكومي ومحاولات لاحتواء الأزمة

وبالتوازي مع الإجراءات الأمنية، فتح وزير التربية الوطنية إدوار جيفراي قنوات حوار مع ممثلي التلاميذ، حيث التقى الخميس خمسة مندوبين منتخبين في مجلس الحياة المدرسية التابع لأكاديمية فرساي.

وجاء اللقاء بعد دعوة مسؤولي الأكاديميات إلى استقبال ممثلي التلاميذ خلال 48 ساعة، بهدف الاستماع إلى مطالبهم ومناقشة المشكلات التي يواجهونها داخل المؤسسات.

وتركز النقاش على اكتظاظ الأقسام، وطول الجداول الدراسية، وغياب التعويض المنتظم للأساتذة، فضلاً عن ظروف التعلم داخل المدارس.

كما طُرح قرار منع استعمال الهواتف المحمولة في الثانويات، الذي دخل حيز التنفيذ مع بداية الموسم الدراسي، حيث اعتبر أحد التلاميذ أنه ساهم في إبراز استياء أوسع من أوضاع قطاع التربية الوطنية.

ودافع الوزير عن القرار، مستنداً إلى معطيات قال إنها تربط الاستخدام المكثف للهواتف وشبكات التواصل بتراجع بعض قدرات التركيز والذاكرة، مع إقراره بوجود اختلالات داخل المنظومة التعليمية تستدعي المعالجة.

ومن المرتقب أن يلتقي جيفراي ممثلي نقابات التعليم والتنظيمات التلاميذية وجمعيات أولياء الأمور، إلى جانب أعضاء المجلس الوطني للحياة المدرسية، في إطار مساعٍ لفتح نقاش مباشر حول المطالب المطروحة.

ميزانية 2027 تزيد حدة الجدل

وتزامنت الاحتجاجات مع تقديم مشروع ميزانية 2027، الذي تضمن رسوماً للتسجيل تخص الطلبة غير المستفيدين من المنح في أقسام التقني العالي والأقسام التحضيرية.

وأثار هذا الإجراء اعتراضات من أحزاب يسارية ونقابات، قبل أن يعلن وزير التربية الوطنية، مساء الخميس، سحبه، في خطوة تأتي وسط ضغوط متزايدة لاحتواء الغضب الطلابي.

وفي الجانب القضائي، أعلن وزير العدل جيرالد دارمانان عقد اجتماع عن بعد مع المدعين العامين الـ36، داعياً إلى التعامل بحزم مع مرتكبي أعمال العنف.

كما طلب الوزير الأول سيباستيان لوكورنو من أعضاء حكومته الحد من تنقلاتهم خلال الأيام المقبلة، حتى تتمكن السلطات المحلية من التركيز على إدارة الاحتجاجات.

السادس من أكتوبر.. محطة جديدة للاحتجاج

وتتجه الأنظار إلى السادس من أكتوبر الجاري، مع الاستعداد لمحطة جديدة من التعبئة، في وقت لا تزال فيه المطالب المرتبطة بنقص الأطر التربوية، واكتظاظ الأقسام، وتدهور البنية التحتية، وضغط الزمن المدرسي حاضرة في صلب التحركات.

وبين تشدد السلطات في مواجهة أعمال العنف، ودعوات الحوار لمعالجة الاختلالات التعليمية، يبقى التحدي المطروح أمام فرنسا هو الفصل بين المطالب الاجتماعية والتربوية المشروعة وأعمال التخريب، وفتح نقاش قادر على معالجة أسباب الاحتقان بعيداً عن تصعيد المواجهة السياسية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: عفوا !!