موسم أصيلة يفتح ملف السيادة الإفريقية.. التحكم في الماء والطاقة والمعادن مفتاح الاندماج القاري

EL AZHAR BENNOUNA SANAA5 أكتوبر 2026آخر تحديث :
موسم أصيلة يفتح ملف السيادة الإفريقية.. التحكم في الماء والطاقة والمعادن مفتاح الاندماج القاري

Loading

في وقت تتجه فيه إفريقيا إلى إعادة رسم موقعها في الاقتصاد العالمي، لم يعد النقاش حول الاندماج القاري مرتبطاً فقط بفتح الأسواق وتسهيل حركة التجارة، بل أصبح مرتبطاً بشكل متزايد بقدرة الدول الإفريقية على التحكم في مواردها الأساسية وتأمين احتياجاتها من الماء والطاقة والمعادن.

هذا المعطى شكل محور جلسة نقاش احتضنتها مدينة أصيلة، ضمن فعاليات الدورة السابعة والأربعين لموسم أصيلة الثقافي الدولي، حيث التقت آراء مسؤولين وخبراء حول المشاريع الاستراتيجية القادرة على تغيير الخريطة الاقتصادية للقارة وتعزيز قدرتها على بناء تنمية أكثر استدامة واستقلالية.

سيدي ولد التاه: لا اندماج حقيقياً من دون التحكم في الموارد

وأكد رئيس مجموعة البنك الإفريقي للتنمية، سيدي ولد التاه، أن التحكم في الموارد الاستراتيجية يمثل أحد الشروط الأساسية لإنجاح مسار الاندماج الإفريقي.

وأوضح، خلال مشاركته في جلسة بعنوان «المشاريع الاستراتيجية والاندماج الاقتصادي: نحو جغرافيا إفريقية جديدة»، أن التنمية الصناعية تحتاج إلى طاقة مستقرة، فيما تتطلب الزراعة القادرة على مواجهة التحديات المناخية موارد مائية مؤمّنة، مشدداً على أن امتلاك القرار بشأن هذه الموارد يرتبط بشكل مباشر بمفهوم السيادة.

وأشار إلى أن البنك الإفريقي للتنمية يعمل على عدد من المبادرات الكبرى في هذا المجال، من بينها برنامج «مهمة 300»، الذي يستهدف إيصال الكهرباء إلى 300 مليون إفريقي في أفق سنة 2030، إلى جانب مبادرة «من الصحراء إلى الطاقة»، والمرفق الإفريقي للمياه.

الماء والطاقة والمعادن.. معادلة واحدة للتنمية

النقاش الذي احتضنته أصيلة أبرز أن الموارد الاستراتيجية لا يمكن التعامل معها باعتبارها ملفات منفصلة، بل باعتبارها عناصر مترابطة داخل منظومة واحدة.

وفي هذا السياق، دعا وزير الطاقة والمعادن الأسبق محمد بوطالب إلى بناء علاقة متكاملة بين الماء والطاقة والمعادن، معتبراً أن نجاح المشاريع القارية الكبرى يحتاج قبل كل شيء إلى قرار سياسي واضح وتعاون يتجاوز الحدود الوطنية.

كما أشاد بالمبادرة الأطلسية التي أطلقها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، معتبراً أنها تعكس رؤية تقوم على تعزيز ارتباط المغرب بعمقه الإفريقي وفتح آفاق جديدة للتعاون والتنمية في القارة.

تمويل المشاريع.. التحدي الذي يسبق التنفيذ

ولا يتعلق الرهان الإفريقي فقط بتحديد المشاريع الكبرى، وإنما يمتد إلى توفير التمويلات والشروط القانونية والمؤسساتية التي تسمح بتحويلها إلى واقع.

وفي هذا الإطار، اعتبر الخبير الاقتصادي والرئيس السابق لديوان رئيس الوزراء الإيطالي، دانييلي دي جيوفاني، أن استقطاب المستثمرين والممولين الأفارقة والأوروبيين يتطلب مشاريع تستند إلى دراسات جدوى تقنية دقيقة، إلى جانب أنظمة قانونية واضحة وعقود قوية ومناخ سياسي مستقر.

وتبرز هذه الرؤية أحد أكبر التحديات التي تواجه الاقتصادات الإفريقية: الانتقال من مرحلة إطلاق المبادرات والمشاريع الطموحة إلى مرحلة تنفيذها وتمويلها وضمان استمراريتها.

من ممرات للعبور إلى محركات للنمو

من جهته، شدد الوزير المستشار الخاص لرئيس جمهورية إفريقيا الوسطى، إلياسو ديكو، على أن تحقيق التكامل الإقليمي يحتاج إلى إرادة سياسية قوية، مؤكداً أن المشاريع الكبرى ينبغي ألا تتحول إلى مجرد ممرات للعبور.

فالرهان، وفق هذا التصور، يتمثل في إنشاء بنى تحتية قادرة على خلق قيمة اقتصادية حقيقية، وربط المناطق والأسواق، وتحفيز الاستثمار، وخلق فرص التنمية بما يعود بالنفع على المجتمعات المحلية والدول المشاركة فيها.

الإنسان في قلب الجغرافيا الإفريقية الجديدة

وفي ختام الجلسة، أبرزت رئيسة اللقاء، نزهة بوشارب، أن الاندماج الإفريقي لا ينبغي أن يقاس فقط بحجم المشاريع والاستثمارات، وإنما بقدرته على تحسين حياة الإنسان وتعزيز فرص التنمية.

وأشارت إلى أن التحولات التي تشهدها القارة تفتح أمامها شبكة واسعة من الفرص، غير أن الاستفادة منها تتطلب تحويل الأفكار الاستراتيجية إلى سياسات ومشاريع عملية، ضمن رؤية جماعية تقوم على التنمية المتوازنة والمستدامة.

أصيلة.. منصة لمناقشة مستقبل إفريقيا

وتندرج هذه المناقشات ضمن الندوة التي احتضنتها أصيلة يومي 2 و3 أكتوبر، والتي خصصت لبحث التحولات الاقتصادية والجيوسياسية التي تعرفها القارة، مع التركيز على قضايا الماء والطاقة والمشاريع الكبرى والبنيات التحتية.

ويعكس اختيار هذه الملفات طبيعة التحولات التي تواجه إفريقيا اليوم، حيث أصبح تأمين الموارد والقدرة على تمويل البنيات التحتية وتعزيز التعاون بين الدول عناصر أساسية في تحديد مستقبل القارة الاقتصادي.

وتتواصل الدورة السابعة والأربعون من موسم أصيلة الثقافي الدولي إلى غاية 18 أكتوبر، تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، وتنظمها مؤسسة منتدى أصيلة بشراكة مع وزارة الشباب والثقافة والتواصل، قطاع الثقافة، وجماعة أصيلة.

نحو إفريقيا أكثر قدرة على صناعة مستقبلها

من أصيلة، بدا واضحاً أن النقاش حول مستقبل إفريقيا ينتقل تدريجياً من سؤال الاندماج النظري إلى سؤال أكثر ارتباطاً بالواقع: من يمتلك الموارد، ومن يملك القدرة على تمويلها وتدبيرها وتحويلها إلى فرص تنمية؟

وبين الماء والطاقة والمعادن والبنيات التحتية، تتشكل معالم معركة جديدة حول السيادة الاقتصادية للقارة. وإذا نجحت الدول الإفريقية في تنسيق إمكاناتها وتحويل مشاريعها المشتركة إلى واقع ملموس، فقد تتحول هذه الموارد من مصدر للتنافس إلى أدوات للتكامل، ومن تحديات متفرقة إلى أساس لجغرافيا إفريقية أكثر ترابطاً وقدرة على صناعة مستقبلها.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: عفوا !!