![]()
مع اقتراب تشكيل الحكومة المغربية الجديدة، تتجه الأنظار إلى الملفات الاجتماعية والاقتصادية التي ستفرض نفسها على أجندة المرحلة المقبلة، وفي مقدمتها ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية للأسر.
وفي هذا السياق، رفعت الجامعة الوطنية لجمعيات المستهلك مذكرة إلى رئيسة الحكومة المكلفة بتشكيل الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، تضمنت مجموعة من المقترحات والأولويات التي ترى أنها ضرورية لتعزيز حماية المستهلك وتحقيق قدر أكبر من الشفافية في الأسواق، خصوصاً في ظل استمرار الضغوط المرتبطة بالأسعار.
القدرة الشرائية.. أولوية تتجاوز الحلول المؤقتة
ترى جمعيات حماية المستهلك أن معالجة غلاء المعيشة لم تعد قابلة للاختزال في إجراءات ظرفية، بل تحتاج إلى سياسة عمومية طويلة الأمد تقوم على مراقبة تطورات الأسعار والتدخل المبكر عند تسجيل زيادات غير مبررة.
وتدعو الهيئة إلى تقييم مدى فعالية الإجراءات الحكومية الموجهة للأسر، والتأكد من وصولها فعلياً إلى الفئات المستهدفة، بالتوازي مع تشديد الرقابة على الممارسات الاحتكارية والمضاربة وكل أشكال الإخلال بالمنافسة.
كما تقترح تقليص حلقات الوساطة غير الضرورية بين المنتج والمستهلك، وتعزيز وضوح هوامش الربح والتوزيع والتسويق، بما يساعد على فهم الأسباب الحقيقية وراء ارتفاع أسعار عدد من المنتجات والخدمات.
المحروقات في صدارة المطالب
ويحتل سوق المحروقات موقعاً بارزاً في مذكرة جمعيات المستهلك، بالنظر إلى التأثير المباشر لأسعار الوقود على النقل والإنتاج والتوزيع، وبالتالي على أسعار مجموعة واسعة من السلع والخدمات.
وتطالب الجمعيات بتعزيز الشفافية في هذا القطاع من خلال نشر معطيات أكثر تفصيلاً حول مكونات السعر النهائي للمحروقات، بما في ذلك تكاليف الاستيراد والتخزين والتوزيع وهوامش مختلف المتدخلين.
وترى أن توفير هذه البيانات بشكل واضح ومنتظم من شأنه أن يسمح للمواطن والرأي العام بمتابعة تطورات الأسعار وفهم العوامل التي تقف وراء ارتفاعها أو انخفاضها، بدل أن تبقى عملية تحديد الأسعار محاطة بالكثير من علامات الاستفهام.
الصحة والتعليم والنقل ضمن دائرة حماية المستهلك
ولا تقتصر مطالب الحركة الاستهلاكية على الأسعار، إذ تدعو الحكومة المقبلة إلى إعطاء أهمية أكبر لجودة الخدمات الأساسية التي تمس الحياة اليومية للمواطنين.
وتشمل هذه القطاعات الصحة والأدوية والتأمين، والتعليم، والنقل، والماء والكهرباء، والاتصالات والإنترنت، فضلاً عن الخدمات البنكية والتأمينية.
وتتمثل الأولوية، وفق التصور المقدم، في تحقيق معادلة تجمع بين جودة الخدمة وشفافية الأسعار وفعالية آليات الشكايات وضمان حقوق المستهلك، بما يجعل حماية المواطن جزءاً أساسياً من السياسات العمومية وليس مجرد تدخل عند ظهور الأزمات.
التجارة الإلكترونية تفرض قواعد جديدة
وتفرض التحولات الرقمية بدورها تحديات جديدة أمام منظومة حماية المستهلك، خصوصاً مع توسع التجارة الإلكترونية والمنصات الرقمية وانتشار المعاملات عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
ولهذا تدعو الجامعة إلى تطوير الإطار القانوني بما يواكب هذه التحولات، ومحاربة الإعلانات والممارسات التجارية المضللة، وضمان حق المستهلك في الإرجاع واسترداد الأموال، والتصدي للمنتجات غير المطابقة للمعايير.
كما تبرز أهمية حماية المعطيات الشخصية وتعزيز وسائل التظلم والتسوية الودية، إلى جانب تحسين آليات جبر الضرر عندما يتعرض المستهلك لخسارة أو ضرر نتيجة خدمة أو منتج غير مطابق.
نحو علاقة أكثر توازناً بين المستهلك والسوق
وعلى المستوى التشريعي، تطالب الجامعة الوطنية لجمعيات المستهلك باستكمال المنظومة القانونية المرتبطة بحماية المستهلك، وتحسين معالجة الشكايات، وتطوير آليات الوساطة والتسوية، وتعزيز وسائل الانتصاف.
كما تدعو إلى إشراك جمعيات المستهلك بشكل أكبر في إعداد السياسات العمومية، وتعزيز التشاور المؤسساتي معها ودعم خدمات القرب التي تقدمها لفائدة المواطنين.
اختبار حقيقي للحكومة الجديدة
تكشف هذه المطالب عن حجم الانتظارات الاجتماعية التي ستجد الحكومة المقبلة نفسها أمامها خلال الفترة 2026-2031. فملف القدرة الشرائية لا يرتبط فقط بمستوى الأسعار، وإنما أيضاً بمدى قدرة المؤسسات على ضمان المنافسة والشفافية والمراقبة وحماية المستهلك.
وفي النهاية، يبقى المواطن هو الطرف الأكثر اهتماماً بهذه المعادلة: أسعار مفهومة، منتجات آمنة، خدمات ذات جودة، ومنافسة حقيقية تتيح له الاستفادة من سوق أكثر عدلاً وشفافية.
ومن هنا، فإن نجاح أي سياسة جديدة لحماية القدرة الشرائية لن يقاس فقط بعدد الإجراءات المعلنة، بل بمدى انعكاسها الفعلي على الحياة اليومية للأسر، وقدرتها على منح المستهلك ثقة أكبر في السوق وفي المؤسسات التي تسهر على تنظيمه











