![]()
لقاء : لطيفة بنعاشير
لم تكن وكالة “الشعبي كاش” بحي التقدم، قرب المسجد العتيق، مجرد وكالة حديثة فتحت أبوابها لخدمة الساكنة في أحد أحياء الخميسات، بل تحولت فجأة إلى عنوان لواقعة سرقة انتهت بإيقاف شابين في مقتبل العمر. وحين شهدت المدينة إعادة تمثيل الجريمة بحضور رئيس المنطقة الأمنية والفرق المرافقة له، وممثلي بعض المنابر الإلكترونية، وسكان الحي الذين تجمهروا أمام مقر الوكالة، لم يكن المشهد أمنيا فقط… بل كان إنسانيا بقدر ما كان قانونيًا.
عناصر الشرطة كانوا يطوقون المكان وينظمون حركة الناس، يفسحون المجال لإعادة تركيب تفاصيل ما جرى، فيما وقف العشرات يتابعون في صمت ثقيل. بين تلك الوجوه، لم يكن الفضول وحده حاضرًا، بل كانت هناك عيون دامعة وملامح متعبة تحاول استيعاب ما يحدث. عائلات الشابين كانت هناك أيضًا، تتابع المشهد الذي يعيد سرد لحظة قد تغيّر مصير أبنائها بالكامل. أمّ تحبس دموعها، أب يشيح بنظره عن الأنظار، إخوة تتداخل في نفوسهم مشاعر الصدمة والارتباك والخوف من الغد. في تلك اللحظة، لم تكن الوكالة وحدها محور الحدث، بل كانت نفسية أسر كاملة تتعرض لامتحان قاسٍ أمام أعين الجميع.

بحسب المعطيات المتداولة، أحد الموقوفين كان قد غادر المؤسسة السجنية مؤخرًا في قضية تتعلق بأقراص مهلوسة. وهنا يتجاوز السؤال حدود الواقعة ذاتها: لماذا يعود شاب خرج حديثًا من السجن إلى دائرة الاشتباه؟ أين تنتهي العقوبة وأين تبدأ المواكبة؟ هل توجد برامج فعّالة لإعادة الإدماج النفسي والاجتماعي، أم أن بعض الشباب يخرجون إلى واقع لم يتغير، فيعودون إلى الدائرة نفسها؟
لا أحد يُنكر أهمية الصرامة الأمنية، فهي ضرورة لحماية الممتلكات والأرواح ورسالة واضحة بأن القانون حاضر. لكن الأمن، مهما كان حازمًا، لا يكفي وحده لصناعة مستقبل مختلف. لا يكفي لإعادة بناء ثقة شاب في نفسه، ولا لترميم صورة أسرة وجدت نفسها فجأة في قلب مشهد عام مؤلم. حين يتحول تمثيل الجريمة إلى حدث يتابعه الأطفال من الأزقة والنوافذ، فإن الرسالة لا تصل فقط إلى المشتبه فيهم، بل إلى جيل كامل يراقب بصمت ويتشكل وعيه من هذه الصور.

الأقراص المهلوسة لم تعد مجرد ملف عابر، بل أصبحت بوابة خطيرة نحو الانزلاق. تبدأ القصة بتجربة، ثم تتحول إلى عادة، ثم إلى مأزق يصعب الخروج منه. وبين البداية والنهاية، تعيش أسر في قلق دائم، وتُستنزف نفسيات أمهات وآباء لا يملكون سوى الانتظار. ظاهرة العود إلى الجريمة ليست دائمًا مسألة اختيار فردي بحت، بل قد تكون نتيجة فراغ، وبطالة، وغياب احتواء حقيقي بعد العقوبة.
ما حدث أمام “الشعبي كاش” ليس مجرد واقعة سرقة قيد البحث القضائي في انتظار كلمة العدالة، بل مرآة تعكس هشاشة أعمق داخل النسيج الاجتماعي. فحين يغيب الأفق، ويضيق الحلم، ويصبح الشارع أقرب من الفرصة، نكون أمام أزمة تتجاوز حدود حي التقدم. السؤال الحقيقي لم يعد فقط: من اقتحم الوكالة؟ بل: من ترك شبابًا في مقتبل العمر يصلون إلى هذه اللحظة؟ ومن سيفكر في دعم أسرهم نفسيًا واجتماعيًا بعد أن ينفضّ الجمع وتغادر العدسات؟
فليس السقوط فرديًا دائمًا… أحيانًا يكون نتيجة شبكة ثقوب واسعة في جدار المجتمع.

تمثيل الجريمة انتهى، لكن آثاره النفسية لم تنتهِ. والمدينة التي تكتفي بمتابعة المشهد دون معالجة أسبابه، قد تجد نفسها تعيد المشهد ذاته يومًا ما. لأن حماية الممتلكات واجب، لكن حماية الإنسان قبل أن يسقط مسؤولية أعمق… ومسؤولية مجتمع بأكمله.











