حين يصبح السوق مرآةً لوجع الناس

بنونة فيصل3 مارس 2026آخر تحديث :
حين يصبح السوق مرآةً لوجع الناس

Loading

بقلم: مصطفى زريزع

في قلب السوق الشعبي بمدينة الدار البيضاء، وبالضبط في سيدي مومن، حيث يُعرف المكان تاريخيًا باسم “كاريان زرابة”، لا تختلط أصوات الباعة فقط بنداءات الزبائن، بل يمتزج ضجيج البيع والشراء بأنين القدرة الشرائية المنهكة. هناك، لا تكون رحلة التسوق مجرد عادة يومية، بل تتحول إلى اختبار قاسٍ لكرامة البسطاء.

أرقام الأسعار المعلقة فوق صناديق الخضر، وأمام بسطات السمك واللحوم، لم تعد مجرد أرقام. صارت رسائل صامتة تقول إن الغلاء لم يعد ظرفًا عابرًا، بل واقعًا يضغط على صدور الناس كل صباح. في تلك الأزقة الضيقة، ترى آباءً وأمهات لا يحسبون حاجيات البيت بقدر ما يحسبون ما تبقى في الجيب. عيونهم تسبق أيديهم، وملامحهم تفضح معركة يومية لا يتحدث عنها أحد.

وسط هذا المشهد، استوقفتني امرأة مسنة. لم تكن تحتاج إلى كثير من الكلام لتروي حكايتها. ارتجافة يديها، وانكسار صوتها وهي تطلب المساعدة لشراء كيلوغرام واحد فقط لأطفال ينتظرون في البيت، كانت كافية لتختصر حجم الألم الذي يعيشه كثيرون في صمت. لم يكن طلبها كبيرًا، لكن ثقله كان أكبر من أن يُقاس بالميزان.

في تلك اللحظة، يتراجع منطق الأرقام أمام منطق الإنسانية. يصبح السؤال الحقيقي: كيف وصلنا إلى زمن تُصبح فيه أبسط الحاجيات عبئًا؟ وكيف تحوّل السوق، الذي كان رمزًا للحياة والحركة، إلى مساحة يختبر فيها الناس قدرتهم على الصبر؟

ليست القضية قصة مساعدة عابرة، ولا موقفًا فرديًا يُروى للتأثر. القضية أعمق من ذلك. إنها صورة مكثفة لمعاناة مواطنين أنهكهم الغلاء، وأرهقتهم التحديات، وأثقلتهم مسؤوليات تفوق طاقتهم. هي رسالة تذكير بأن خلف كل رقم في تقارير الأسعار أسرة تحاول التكيّف، وطفلًا ينتظر وجبة، وأمًا تؤجل رغباتها كي لا ينقص بيتها شيء.

المشهد في السوق لم يكن استثناءً، بل انعكاسًا لواقع يتكرر في أحياء كثيرة. واقع يفرض علينا أن نعيد ترتيب أولوياتنا، وأن نسأل بجدية عن سبل حماية الفئات الهشة، وعن مسؤولية الجميع—مؤسسات وأفرادًا—في تخفيف وطأة هذه المرحلة.

في زمن الغلاء، قد لا نملك جميعًا حلولًا كبرى، لكننا نملك شيئًا لا يقل قيمة: حسًّا إنسانيًا يرفض أن يتعايش مع الألم كأنه أمر عادي. نملك القدرة على أن نمد يدًا، أن نقول كلمة طيبة، أن نخفف عبئًا ولو كان صغيرًا. فالكرامة لا تُقاس بحجم الجيوب، بل بقدرتنا على أن نشعر بالآخرين.

السوق مرآة المجتمع. وإذا كان يعكس اليوم وجعًا صامتًا، فإنه يعكس أيضًا إمكانية الخير. وبين ضجيج الأسعار، يبقى الأمل معقودًا على قلوب لم تفقد نبضها، وعلى ضمائر تدرك أن ما عند الله خير وأبقى، وأن الإحسان—ولو كان في الخفاء—قادر على أن يعيد للوجوه بعضًا من الطمأنينة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: عفوا !!