![]()
في خطوة تعكس تسارع وتيرة الإصلاحات المؤسساتية بالمغرب، صادق مجلس النواب، مساء الإثنين، بالأغلبية، على مشروع القانون التنظيمي المعدّل المتعلق بالجهات، وهو نص يُنتظر أن يمنح دفعة جديدة لمسار الجهوية المتقدمة ويعيد رسم أدوار الجهات في التنمية الاقتصادية والاجتماعية خلال السنوات المقبلة.
وقد حظي المشروع بتأييد واسع داخل البرلمان، في مؤشر على وجود قناعة سياسية متنامية بأن النموذج الترابي الحالي يحتاج إلى تحديث أكثر جرأة وفعالية، خاصة في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يشهدها المغرب، والتحديات المرتبطة بتقليص الفوارق المجالية وتحسين جودة الخدمات العمومية.
إصلاح يتجاوز البعد الإداري
الرسالة الأساسية التي حملها هذا المشروع تتمثل في الانتقال من تصور إداري تقليدي للجهة إلى رؤية تنموية أكثر دينامية. فالفكرة لم تعد مرتبطة فقط بتدبير الشأن المحلي، بل بتحويل الجهات إلى فضاءات حقيقية للإنتاج والاستثمار وخلق فرص الشغل.
وفي هذا السياق، أوضح وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت أن المرحلة المقبلة تقوم على تقوية الاختصاصات الاستراتيجية للجهات، وتحديث أدوات الحكامة، وتحسين آليات تنزيل المشاريع الترابية، إلى جانب تعزيز الموارد المالية بشكل يسمح للجهات بممارسة أدوارها بكفاءة أكبر.
هذا التوجه يعكس أيضاً رغبة الدولة في جعل التنمية أقرب إلى المواطنين، عبر منح الجهات هامشاً أوسع لاتخاذ القرار وتحديد أولوياتها وفق خصوصيات كل مجال ترابي.
12 مليار درهم سنوياً: رهان التمويل
من أبرز النقاط التي لفتت الانتباه في المشروع، الإعلان عن رفع التحويلات المالية الموجهة للجهات لتصل إلى ما لا يقل عن 12 مليار درهم سنوياً ابتداءً من سنة 2027.
ويُنظر إلى هذا القرار باعتباره محاولة لمعالجة واحدة من أبرز الإشكالات التي واجهت تجربة الجهوية خلال السنوات الماضية: نقل الاختصاصات دون توفير الإمكانيات المالية الكافية.
فالعديد من الجهات كانت تجد نفسها أمام مسؤوليات متزايدة، مقابل موارد محدودة لا تسمح بتنفيذ المشاريع بالسرعة والفعالية المطلوبة. لذلك، فإن تعزيز التمويل قد يشكل نقطة تحول مهمة إذا تم توظيفه ضمن رؤية واضحة للحكامة والنجاعة.
تحول جديد في تدبير المشاريع
المشروع يقترح كذلك إعادة هيكلة وكالات تنفيذ المشاريع الجهوية عبر تحويلها إلى شركات مساهمة، وهي خطوة تراهن الحكومة من خلالها على تحقيق قدر أكبر من المرونة والسرعة في إنجاز المشاريع.
ويرى مؤيدو هذا التوجه أن اعتماد أساليب تدبير مستلهمة من القطاع الخاص يمكن أن يساعد على تجاوز البطء الإداري التقليدي، وتحسين مؤشرات الإنجاز والتنفيذ.
في المقابل، يثير هذا التحول أيضاً نقاشاً مشروعاً حول ضرورة الحفاظ على التوازن بين الفعالية الاقتصادية ومبادئ الرقابة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، خاصة عندما يتعلق الأمر بتدبير المال العام والمشاريع ذات الأثر الاجتماعي المباشر.
المعارضة تدعم… لكنها تطالب بضمانات إضافية
ورغم دعم عدد من مكونات المعارضة لعدة مقتضيات داخل المشروع، خصوصاً ما يتعلق بتطوير آليات تنفيذ المشاريع، فإنها عبّرت عن بعض التحفظات المرتبطة بالحكامة وطريقة تعيين المسؤولين داخل البنيات الجديدة.
كما شددت على أهمية تقوية الديمقراطية الترابية، وتطوير كفاءات المنتخبين، وضمان مشاركة أوسع في اتخاذ القرار الجهوي، حتى لا تتحول الإصلاحات التقنية إلى مجرد تغييرات شكلية دون أثر فعلي على حياة المواطنين.
الجهوية أمام اختبار جديد
ما يحدث اليوم لا يتعلق فقط بتعديل قانون تنظيمي، بل بإعادة طرح سؤال كبير حول مستقبل التنمية الترابية بالمغرب: كيف يمكن جعل كل جهة قادرة على إنتاج الثروة وتحسين ظروف العيش وفق مؤهلاتها الخاصة؟
الإجابة لن تتوقف على النصوص القانونية وحدها، بل على قدرة مختلف الفاعلين على تحويل هذه الإصلاحات إلى مشاريع ملموسة يشعر المواطن بآثارها في حياته اليومية، سواء من خلال فرص العمل أو البنيات التحتية أو جودة الخدمات.
فالجهوية، في النهاية، ليست مجرد تقسيم إداري، بل رؤية لمغرب أكثر توازناً وإنصافاً، تُصبح فيه التنمية حقاً مشتركاً بين جميع الجهات، لا امتيازاً جغرافياً محدوداً.











