![]()
في خطوة تعكس سعي المغرب إلى مواجهة الخصاص المتزايد في الموارد البشرية الصحية، دخل مرسوم جديد حيز التنفيذ يُلزم الأطباء المقيمين غير العسكريين بالعمل لمدة ثلاث سنوات داخل المؤسسات الصحية العمومية بعد الحصول على شهادة التخصص.
القرار، الذي نُشر في الجريدة الرسمية، يأتي في سياق وطني يتسم بتحديات متزايدة مرتبطة بتوزيع الأطر الطبية، خصوصاً في المناطق البعيدة وشبه القروية التي ما تزال تعاني من ضعف الولوج إلى الخدمات الصحية الأساسية والمتخصصة.
نحو عدالة صحية أكثر توازناً
خلف هذا الإجراء، تبرز محاولة واضحة لإعادة التوازن إلى الخريطة الصحية الوطنية، بعدما أصبحت الفوارق بين المدن الكبرى والمناطق الأقل استفادة أكثر وضوحاً خلال السنوات الأخيرة.
ففي الوقت الذي تعرف فيه بعض المراكز الحضرية تركّزاً مرتفعاً للأطباء والتخصصات الطبية، تجد مناطق أخرى نفسها أمام خصاص حاد يؤثر بشكل مباشر على جودة العلاج وسرعة التكفل بالمرضى.
ومن هذا المنطلق، يبدو أن الدولة تراهن على توجيه جزء من الكفاءات الطبية الشابة نحو القطاع العمومي، ليس فقط لسد الخصاص العددي، بل أيضاً لضمان حد أدنى من العدالة المجالية في الخدمات الصحية.
بين الواجب المهني وانتظارات الأطباء الشباب
المرسوم الجديد ينص على أن الأطباء المعنيين سيباشرون العمل داخل المؤسسات التابعة لوزارة الصحة مباشرة بعد إنهاء تكوينهم التخصصي، مع إمكانية الإعفاء فقط عبر ترخيص رسمي من الجهة المختصة.
ورغم أن الإجراء يُقدَّم باعتباره ضرورة مرتبطة بالمصلحة العامة، فإنه يفتح أيضاً نقاشاً أوسع حول ظروف العمل داخل المستشفيات العمومية، ومدى قدرة المنظومة الصحية على توفير بيئة مهنية مستقرة ومحفزة للأطباء الشباب.
فالعديد من الأصوات داخل القطاع تعتبر أن معالجة أزمة الصحة لا يمكن أن تعتمد فقط على إلزامية الخدمة، بل تحتاج كذلك إلى تحسين البنية التحتية، وتوفير التجهيزات، وتعزيز ظروف الاشتغال والتكوين المستمر.
إصلاح صحي يتجاوز النصوص القانونية
خلال السنوات الأخيرة، جعل المغرب من إصلاح المنظومة الصحية أحد أبرز أوراشه الاستراتيجية، خاصة مع تعميم الحماية الاجتماعية وتوسيع التغطية الصحية.
غير أن نجاح هذه التحولات يبقى مرتبطاً بشكل مباشر بمدى توفر العنصر البشري الكافي والمؤهل، باعتباره العمود الفقري لأي إصلاح صحي فعلي.
وفي هذا الإطار، يرى متابعون أن القرار الجديد يعكس وعياً متزايداً بأن الاستثمار في الصحة لا يقتصر على بناء المستشفيات أو اقتناء المعدات، بل يشمل أيضاً ضمان حضور الأطباء في الأماكن التي تحتاجهم فعلاً.
تحدي الثقة بين الدولة والكفاءات الطبية
التحدي الأكبر اليوم لا يكمن فقط في تطبيق القرار، بل في خلق علاقة ثقة طويلة المدى بين الدولة والأطباء الشباب.
فكلما شعر الأطباء بأن مساهمتهم داخل القطاع العمومي تتم في إطار يضمن التقدير المهني وفرص التطور وظروف العمل اللائقة، تحولت هذه المرحلة الإلزامية إلى تجربة مهنية وإنسانية ذات قيمة، بدل أن تُنظر إليها كإجراء إداري مفروض.
وفي عالم أصبحت فيه الكفاءات الطبية مطلوبة دولياً، يبدو الرهان المغربي أكثر تعقيداً: كيف يمكن الحفاظ على الأطباء داخل المنظومة الوطنية، وفي الوقت نفسه بناء قطاع صحي أكثر إنصافاً وفعالية وإنسانية؟
ربما تبدأ الإجابة من فكرة بسيطة لكنها أساسية: الصحة ليست خدمة فقط، بل شعور جماعي بالأمان والكرامة والحق في العلاج أينما كان المواطن











