![]()
بقلم مصطفى مدود
لم يكن خطاب العرش لسنة 2026 مجرد استعراض لحصيلة أو إعلان لمواقف سياسية، بل جاء وثيقة استراتيجية متكاملة أعادت ترتيب أولويات الدولة، وربطت بين الداخل والخارج في رؤية واحدة قوامها التنمية والعدالة والمكانة الدولية. فمن خلال البنية المحكمة والتسلسل المنطقي، انتقل الخطاب من تشخيص الواقع إلى استشراف المستقبل، موجها رسائل دقيقة إلى مختلف الفاعلين داخل المغرب وخارجه. ويمكن قراءة الخطاب من خلال سبعة محاور رئيسية.
المحور الأول: العدالة المجالية والتنمية الترابية
افتتح الخطاب الملكي بتأكيد أن التنمية لا تكتمل ما دامت ثمارها لا تصل إلى جميع الجهات والفئات، داعيا إلى تجاوز الفوارق المجالية والاجتماعية وتسريع تنزيل المشاريع ذات الأثر المباشر على حياة المواطنين. والرسالة هنا واضحة: المرحلة المقبلة ليست مرحلة إطلاق المشاريع بقدر ما هي مرحلة ضمان استفادة الجميع منها، وجعل العدالة الترابية معيارا لنجاح السياسات العمومية.
المحور الثاني: المسؤولية الحكومية والنجاعة في التنفيذ
وجّه الملك خطابا مباشرا إلى الحكومة والإدارة، مؤكدا أن المواطن ينتظر نتائج ملموسة لا مجرد برامج وشعارات. فالرهان اليوم هو على السرعة في الإنجاز، وجودة التدبير، وربط المسؤولية بالمحاسبة. إنها رسالة تؤكد أن تقييم المؤسسات سيتم بقدر ما تحققه من أثر حقيقي في حياة المواطنين.
المحور الثالث: تعزيز الدولة الاجتماعية
أبرز الخطاب أن بناء الدولة الاجتماعية لم يعد خيارا ظرفيا، بل أصبح توجها استراتيجيا يشمل الحماية الاجتماعية، والصحة، والتعليم، والتشغيل، ودعم الفئات الهشة. والغاية هي ترسيخ نموذج تنموي يجعل الإنسان محور السياسات العمومية، ويعزز الثقة بين الدولة والمواطن.
المحور الرابع: قضية الصحراء والانتصارات الدبلوماسية
جدد الخطاب التأكيد على مركزية قضية الصحراء، مستندا إلى ما حققه المغرب من دعم دولي متزايد لمبادرة الحكم الذاتي. كما أبرز أن هذه المكتسبات ثمرة عمل دبلوماسي متواصل ورؤية استراتيجية بعيدة المدى، بما يعكس انتقال المملكة من الدفاع عن موقفها إلى ترسيخ شرعيته على الساحة الدولية.
المحور الخامس: الانفتاح الإقليمي والدولي
إذا كان خطاب السنة الماضية قد ركز على فضاء الاتحاد المغاربي، فإن خطاب 2026 وسّع الأفق نحو شراكات دولية أكثر اتساعا، مؤكدا مكانة المغرب كشريك موثوق على المستويات الإفريقية والمتوسطية والعربية والدولية. والرسالة أن المملكة أصبحت فاعلا يشارك في صياغة التوازنات الإقليمية والدولية، لا مجرد متلقٍّ لها.
المحور السادس: المغرب قوة اقتراح وشريك موثوق
كرّس الخطاب صورة المغرب باعتباره بلدا يجمع بين الاستقرار والانفتاح، ويطرح المبادرات بدل الاكتفاء بردود الفعل. وهي رسالة موجهة إلى المجتمع الدولي مفادها أن المملكة تمتلك من الرصيد السياسي والمؤسساتي ما يؤهلها للمساهمة في معالجة القضايا الإقليمية والدولية.
المحور السابع: البعد القيمي والإنساني للخطاب
رغم طابعه السياسي والاستراتيجي، حافظ الخطاب على بعده الإنساني، إذ جعل المواطن محور التنمية، وربط بين التقدم الاقتصادي والكرامة والإنصاف والتضامن. كما جاءت خاتمته ذات حمولة أخلاقية ووطنية تؤكد أن نجاح المغرب مسؤولية جماعية تتقاسمها الدولة والمؤسسات والمجتمع.
وفي المجمل، يكشف خطاب العرش لسنة 2026 عن انتقال واضح من مرحلة تثبيت المكتسبات إلى مرحلة تعظيم أثرها، ومن التركيز على بناء المشاريع إلى التركيز على جودة نتائجها، ومن الانفتاح الإقليمي إلى الحضور الدولي الواسع. إنه خطاب يحدد أولويات المرحلة المقبلة بدقة، ويبعث برسائل متوازنة إلى الداخل والخارج، مؤكدا أن المغرب يواصل ترسيخ مكانته كدولة تنموية مستقرة، وشريك دولي يحظى بالثقة والاحترام.











