![]()
بقلم : نعمان غزلان
في زمنٍ أصبح فيه الهاتف المحمول جزءا لا يتجزأ من
حياتنا اليومية، تحوّل هذا الجهاز الصغير من وسيلةٍ للتسهيل والتقريب بين الناس إلى سببٍ في البعد العاطفي والاجتماعي
بينهم.
فقد أصبحنا نرى اشخاصا لا يفارقون هواتفهم، في البيت، في الشارع، في المقاهي، وحتى أثناء الجلسات العائلية، بدل أن يكون الحوار المباشر هو الأساس، أصبحت الرسائل النصية هي اللغة السائدة، وكأنّ التواصل الإنساني الحقيقي بدأ يفقد قيمته تدريجيًا.
كان من المفترض أن يقرّبنا الهاتف من بعضنا، لكنه في كثير من الأحيان باعد بين القلوب.
في البيت، تجد كل فرد منشغلًا بشاشته، الأب في هاتفه، الأم في هاتفها، والأبناء في عالمهم الافتراضي، لا حديث، لا ضحك، لا تبادل للآراء كما كان يحدث في السابق.
وحتى بين الأصدقاء، صار اللقاء أحيانًا مجرد وجودٍ جسدي، بينما العقول والقلوب مشغولة بما يحدث على الهاتف، وهكذا تحوّل التواصل من لقاءٍ حيّ إلى رسائل وصور وإشعارات، في غيابٍ واضحٍ لدفء العلاقة الإنسانية.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أصبح الهاتف أشبه بـوحش مفزع يلاحقنا في كل وقت، يرنّ أثناء العمل، وأثناء الاستحمام، وأحيانًا في لحظات العبادة والخشوع، فيُربك الإنسان ويقطع عليه صفاءه وراحته.
حيث، كثيرون منا يشعرون أنهم مجبرون على الرد في كل لحظة، وكأننا فقدنا حقنا في الخصوصية والسكينة.
ومع كثرة الاتصالات والمكالمات الطويلة،
خاصة من بعض الأشخاص الذين يفرغون ما في صدورهم من هموم ومتاعب يومية وتفاهات ايضا، يتحول الهاتف من أداةٍ للراحة إلى مصدرٍ للتعب النفسي والإرهاق.
إن المشكلة ليست في الهاتف نفسه، بل في طريقة استعماله، فهذه الوسيلة التي وُجدت لتسهيل الحياة أصبحت، عند الإفراط في استخدامها، سببًا في العزلة والانشغال عن الواقع.
اما بالنسبةللشباب، من أبرز أضرار الهاتف عليهم، فهي إضاعة الوقت، فكثير من الشباب يقضون ساعات طويلة في تصفح التطبيقات ومواقع التواصل الاجتماعي أو مشاهدة الفيديوهات دون
فائدة حقيقية، مما يؤدي إلى ضعف التركيز وتراجع التحصيل الدراسي.
كما أن الإدمان على الهاتف يجعل الشاب يهمل واجباته اليومية ومسؤولياته.
يؤثر الهاتف أيضًا بشكل سلبي على الصحة الجسدية، فالجلوس الطويل أمام الشاشة يسبب آلامًا في الرقبة والظهر، ويؤدي إلى ضعف النظر، كما أن استعمال الهاتف قبل النوم يسبب الأرق واضطراب النوم بسبب الضوء الأزرق المنبعث من الشاشة.
إلى جانب الآثار النفسية والاجتماعية، فالإفراط في استعمال الهاتف قد يجعل الشاب يعيش في عزلة عن أسرته وأصدقائه، ويفضل العالم الافتراضي على العلاقات الحقيقية.
كما أن المقارنات المستمرة عبر مواقع التواصل قد تؤدي إلى الشعور بالقلق، أو انخفاض الثقة بالنفس، أو حتى الاكتئاب في بعض الحالات مما يؤثر على دراسته
أو عمله.
إضافة إلى ذلك، فإن بعض الشباب قد يتعرضون لمحتوى غير مناسب أو لمخاطر الإنترنت مثل الاحتيال والتنمر الإلكتروني.
لذلك، نحن بحاجة إلى أن نعيد التوازن في علاقتنا به، أن نستعمله عند الحاجة، دون أن نسمح له بأن يسرق منا لحظاتنا الجميلة، وعلاقاتنا الحقيقية، وسكينتنا
الداخلية.
وفي النهاية، يبقى السؤال المهم: هل نحن من نتحكم في الهاتف، أم أن الهاتف هو الذي أصبح يتحكم فينا؟







