![]()
رغم الاضطرابات التي أحدثتها الحرب الأمريكية على إيران في إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال والسلع الأساسية العابرة لمضيق هرمز، فإن أسواق الطاقة العالمية أظهرت قدرة لافتة على امتصاص الصدمة، خلافاً لما كان متوقعاً في ظل حجم الاضطراب الذي شهده قطاع الطاقة.
ومنذ اندلاع الحرب في أواخر فبراير الماضي، تعرضت حركة إمدادات الطاقة لاضطرابات متكررة، فيما تجاوز حجم شحنات النفط المتعطلة ملياري برميل خلال العام الجاري، ما دفع وكالة الطاقة الدولية إلى وصف الوضع بأنه «أكبر اضطراب في إمدادات النفط في تاريخ السوق العالمية».
ومع ذلك، لم تتحول الأزمة إلى صدمة نفطية واسعة النطاق، إذ ظلت أسعار النفط القياسية أقل بكثير من المستويات التي بلغتها خلال أزمات عالمية سابقة، كما لم يسجل الاقتصاد العالمي سوى تباطؤ محدود نسبياً.
ويرى فيجاي في. فيثيسواران، الخبير لدى مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، أن هذه المفارقة تطرح سؤالاً أساسياً حول الأسباب التي جعلت أكبر اضطراب في إمدادات الطاقة لا يتحول إلى أزمة نفطية بالحجم المتوقع.
وفرة الإمدادات هدّأت الأسواق
يُرجع الخبير جانباً من صمود الأسواق إلى الظروف التي سبقت اندلاع الحرب، إذ كانت أسواق النفط تتمتع بإمدادات وفيرة، بعدما توقعت وكالة الطاقة الدولية تسجيل فائض يقترب من أربعة ملايين برميل يومياً خلال عام 2026.
وساهم توفر هذه الكميات في تفادي حالة الذعر بين المتعاملين، كما لعبت المخزونات الاستراتيجية دوراً مهماً في امتصاص جزء من الصدمة.
وفي هذا السياق، سارعت الاقتصادات المتقدمة، بالتنسيق مع وكالة الطاقة الدولية، إلى تنفيذ أكبر عملية سحب من المخزونات الاستراتيجية على الإطلاق، بنحو 273 مليون برميل، وهو ما ساعد على تهدئة الأسواق والحد من حدة التقلبات.
كما استفادت الأسواق من مرونة البنية التحتية في بعض الدول المنتجة، إذ عملت السعودية والإمارات على تحويل ملايين البراميل يومياً عبر خطوط أنابيب لم تكن مستغلة بالكامل، بما سمح بتجاوز جزء من الاختناقات المرتبطة بالممر البحري.
النفط الصخري يعزز مرونة الولايات المتحدة
إلى جانب المخزونات ومسارات النقل البديلة، ساهمت التحولات التي شهدها قطاع الطاقة الأمريكي خلال العقود الماضية في تعزيز قدرة السوق العالمية على مواجهة الاضطرابات.
فبفضل ثورة النفط الصخري، انتقلت الولايات المتحدة من دولة كانت تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة خلال سبعينيات القرن الماضي إلى واحدة من أبرز الدول المنتجة والمصدرة، وهو ما جعلها قادرة على المساهمة في دعم أسواق النفط والغاز خلال فترات الأزمات.
ويرى فيثيسواران أن هذه الإجراءات لم تكن وليدة اللحظة، بل جاءت نتيجة دروس استخلصتها الدول من أزمات النفط السابقة، خصوصاً بعد إنشاء وكالة الطاقة الدولية عام 1974 بهدف تعزيز التعاون وتنسيق المخزونات الاستراتيجية.
كما دفعت الأزمات السابقة كبار المنتجين إلى تطوير مسارات متعددة لتصدير النفط، وشجعت الاستثمارات في مصادر جديدة للهيدروكربونات خارج منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك»، بما قلل تدريجياً من الاعتماد على مناطق الإنتاج الأكثر عرضة للتوترات الجيوسياسية.
الجانب الآخر من المعادلة: الطلب
لكن تفسير صمود الأسواق من زاوية العرض وحدها لا يقدم الصورة كاملة، بحسب التحليل، إذ لعب جانب الطلب دوراً متزايداً في تحديد تداعيات الأزمة الحالية.
وعلى عكس العرض، الذي يمكن أن يخضع إلى حد ما للتنسيق بين كبار المنتجين، يتوزع الطلب على النفط بين عدد كبير من الدول ومليارات المستهلكين، ما يجعل التحكم فيه خلال الأزمات أكثر تعقيداً.
وقد أظهرت التجارب السابقة أن اضطرابات الطلب يمكن أن تقود إلى ارتفاعات حادة في الأسعار ونقص في الإمدادات وإجراءات استثنائية، خصوصاً في الدول الأكثر هشاشة.
وتبرز إفريقيا وآسيا ضمن المناطق التي تحمل فيها المستهلكون ذوو الدخول المنخفضة العبء الأكبر من تداعيات الأزمة الحالية. وأشار تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي» الصادر عن البنك الدولي في يونيو 2026 إلى أن الحرب فاقمت مواطن الهشاشة الاقتصادية في بنجلاديش، بينما ارتفعت أسعار الوقود في نيجيريا بنحو 50 في المائة.
الصين تقدم نموذجاً مختلفاً
وفي المقابل، قدمت الصين مثالاً على إمكانية إدارة الطلب على الطاقة خلال الأزمات، مستفيدة من التخطيط المركزي لقطاع الطاقة ومن سياسة طويلة الأمد للحد من هشاشة اعتمادها على واردات النفط.
فقد خفضت بكين، حتى يونيو الماضي، وارداتها البحرية من النفط الخام بأكثر من خمسة ملايين برميل يومياً، أي بأكثر من 40 في المائة مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، دون أن يؤدي ذلك إلى أزمة اقتصادية داخلية واسعة.
واعتمدت الصين في ذلك على مزيج من الإجراءات، من بينها استخدام احتياطياتها الاستراتيجية التي راكمتها خلال فترات انخفاض أسعار النفط، والاعتماد مؤقتاً على الفحم المحلي ومصادر الطاقة المتجددة لتعويض جزء من تراجع الواردات.
كما فرضت قيوداً على صادرات بعض المنتجات النفطية، في خطوة أثارت استياء عدد من العملاء في الخارج، بالتزامن مع إجراءات هدفت إلى خفض الطلب المحلي على الوقود الأحفوري، وتعزيز استخدام المركبات البديلة وترشيد استهلاك الطاقة وتوسيع النقل العمومي.
«الوقود المنسي» يتحول إلى أولوية
ويرى فيثيسواران أن التجربة الصينية تقدم درساً أوسع لصناع السياسات، يتمثل في ضرورة إعطاء جانب الطلب أهمية أكبر عند التعامل مع أزمات الطاقة، بدلاً من التركيز تلقائياً على زيادة الإنتاج والإمدادات.
وتعيد هذه الفكرة إلى الواجهة أطروحة طرحها أموري لوفينز قبل نحو نصف قرن، عندما دعا إلى تنويع مصادر الطاقة وتحسين كفاءة استخدامها باعتبارهما وسيلتين أساسيتين لتقليص الاستهلاك.
وكان لوفينز قد توقع أن تتمكن الولايات المتحدة، من خلال رفع كفاءة استخدام الطاقة وتنويع مصادرها، من خفض استهلاكها إلى نحو 95 كوادريليون وحدة حرارية بريطانية بحلول مطلع الألفية الجديدة، وهو تقدير تعرض في حينه لانتقادات واسعة.
لكن الاستهلاك الفعلي للطاقة في الولايات المتحدة عام 2000 بلغ نحو 97 كوادريليون وحدة حرارية بريطانية، وهو مستوى اقترب بشكل كبير من توقعاته، خلافاً للتقديرات الرسمية الأكثر ارتفاعاً في ذلك الوقت.
ويعتزم مجلس العلاقات الخارجية تنظيم ندوة في واشنطن خلال أكتوبر المقبل، بمناسبة مرور 50 عاماً على نشر مقال لوفينز، لمناقشة الدروس المستخلصة من تلك المرحلة وانعكاساتها على مستقبل استراتيجية الطاقة الأمريكية.
الكفاءة والكهربة في قلب التحول المقبل
ومع تزايد الأدوات المتاحة لإدارة الطلب، تتجه الأنظار بشكل متزايد نحو تحسين كفاءة استخدام الطاقة وتوسيع نطاق الاعتماد على الكهرباء.
وخلال مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ «كوب 28» في الإمارات، تعهدت نحو 200 دولة، من بينها الولايات المتحدة، بمضاعفة متوسط معدل التحسن العالمي في كفاءة استخدام الطاقة إلى 4 في المائة سنوياً بحلول عام 2030.
ورغم أن وتيرة التقدم لا تزال دون المستوى المطلوب، فإن نمو الكهربة، أي استخدام الكهرباء بدل مصادر الطاقة القائمة على الاحتراق المباشر، يوفر مؤشراً على تحول تدريجي في أنماط استهلاك الطاقة.
وفي هذا السياق، قفزت صادرات الصين من المركبات الكهربائية إلى 9.2 مليارات دولار في ماي، بزيادة تقارب 50 في المائة على أساس سنوي، في ظل سعي عدد من الدول إلى تقليص اعتمادها على واردات الوقود الأحفوري وتنويع مصادر الطاقة.
ويخلص التحليل إلى أن التحول نحو الكهربة والتقنيات الأكثر كفاءة، من النقل إلى المباني والصناعات الثقيلة، قد يعيد تعريف مفهوم أمن الطاقة خلال السنوات المقبلة، بحيث لا تعود زيادة الإنتاج وحدها الأداة الرئيسية لمواجهة الأزمات.
وبذلك، قد تنتقل كفاءة استخدام الطاقة من موقع «الوقود المنسي» إلى موقع ما تسميه وكالة الطاقة الدولية «الوقود الأول»، بما يجعل الاقتصادات أكثر قدرة على مواجهة صدمات الطاقة مستقبلاً وأقل عرضة لتقلبات الأسواق العالمية.











