![]()
في عالم ما تزال فيه النزاعات المسلحة تلقي بظلالها الثقيلة على الأطفال، برز إعلان الرباط بشأن نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج المتمحور حول الطفل كإحدى المبادرات الإفريقية الرامية إلى جعل حماية هذه الفئة جزءاً أساسياً من الاستجابة الدولية للنزاعات المسلحة.
وخلال الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان بجنيف، جرى تسليط الضوء على هذا الإعلان، الذي اعتمدته أكثر من 40 دولة إفريقية في 20 نونبر 2025، باعتباره إطاراً يركز على الوقاية من تجنيد الأطفال واستغلالهم، إلى جانب ضمان إعادة تأهيلهم وإدماجهم بصورة مستدامة داخل أسرهم ومجتمعاتهم.
الطفل في قلب مقاربة نزع السلاح وإعادة الإدماج
وأكد عبد القادر الفيلالي، في مداخلة باسم الجمعية الإفريقية للتنمية، أن أهمية إعلان الرباط تكمن في نقل قضية الأطفال المتضررين من النزاعات من مجرد التعامل معها باعتبارها نتيجة جانبية للحروب، إلى جعل حمايتهم وإعادة تأهيلهم وإدماجهم هدفاً مركزياً في جهود نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في ظل استمرار ظاهرة تجنيد الأطفال واستغلالهم من طرف جماعات مسلحة غير حكومية وميليشيات في عدد من مناطق النزاعات.
ولا يرتبط التحدي فقط بإخراج الأطفال من مناطق الخطر، بل يمتد إلى معالجة الآثار التي تتركها سنوات النزاع على حياتهم، وضمان قدرتهم على استعادة ارتباطهم بأسرهم ومحيطهم الاجتماعي.
من الحماية إلى المساءلة والوقاية
وبحسب الطرح الذي قدمته الجمعية الإفريقية للتنمية، يوفر الإعلان إطاراً يمكن من تعزيز التتبع والمساءلة والتعاون الدولي، مع إعطاء الأولوية للإجراءات التي تمنع وقوع الأطفال ضحايا للتجنيد والاستغلال المسلح.
وتتجاوز هذه الرؤية منطق التدخل بعد وقوع الضرر، لتشدد على أهمية فهم الظروف التي تجعل الأطفال عرضة للتجنيد، والعمل على الحد من هذه العوامل من خلال إجراءات وقائية تستند إلى المعطيات والأبحاث الميدانية.
وهذا التحول يطرح مسؤولية مشتركة أمام الحكومات والمنظمات الدولية والجهات المحلية، ليس فقط في إنقاذ الأطفال من النزاعات، وإنما أيضاً في خلق الظروف التي تمنع إعادة إنتاج الظاهرة.
امتداد للمبادرة داخل المنظومة الأممية
وأشار المتدخل إلى أن الدينامية التي أطلقها إعلان الرباط وجدت امتداداً داخل الإطار المؤسساتي للأمم المتحدة، من خلال وثيقة مشتركة بين الجمعية العامة ومجلس الأمن تتعلق بتعزيز وحماية حقوق الطفل.
ويعكس هذا التفاعل أهمية إدماج التجارب والمبادرات الإقليمية في النقاش الدولي حول حماية الأطفال في أوقات النزاعات، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتحديات تتطلب تعاوناً يتجاوز الحدود الوطنية.
نحو اتفاقية إفريقية خاصة بالأطفال الجنود
وفي السياق نفسه، ذكرت الجمعية الإفريقية للتنمية بإطلاق مرحلة التوقيع على الاتفاقية الإفريقية بشأن نزع السلاح والتسريح وإعادة إدماج الأطفال الجنود، خلال حفل احتضنته البعثة الدائمة للمغرب لدى الأمم المتحدة، على هامش الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة.
وتشكل هذه الخطوة، وفق المعطيات المقدمة، امتداداً للمسار الإفريقي الرامي إلى تطوير أدوات مشتركة للتعامل مع قضية الأطفال المرتبطين بالنزاعات المسلحة، سواء على مستوى الوقاية أو الحماية أو إعادة الإدماج.
دعوة إلى عمل دولي يتجاوز التوثيق
ومن جنيف، دعت الجمعية الإفريقية للتنمية مجلس حقوق الإنسان وآلياته إلى البناء على الزخم الذي أحدثه إعلان الرباط، وتعزيز التعاون مع الفاعلين الإقليميين والوطنيين، إلى جانب دعم البحوث الميدانية والإجراءات الوقائية القائمة على الأدلة.
وتتمثل الفكرة الأساسية في أن توثيق الانتهاكات، رغم أهميته، لا ينبغي أن يكون نهاية المسار؛ فالاستجابة الفعالة تتطلب أيضاً تحديد أسباب تجنيد الأطفال، وحماية الفئات الأكثر عرضة للخطر، وتوفير مسارات آمنة للأطفال المتضررين للعودة إلى أسرهم ومجتمعاتهم.
إعادة الطفل إلى حياته.. المعركة التي تبدأ بعد النزاع
تظل عملية إعادة الإدماج من أكثر المراحل حساسية في التعامل مع الأطفال المتأثرين بالنزاعات. فإبعاد الطفل عن الجماعة المسلحة لا يعني بالضرورة انتهاء معاناته، إذ يحتاج إلى بيئة آمنة ودعم اجتماعي ونفسي وتعليمي يساعده على استعادة حياته الطبيعية.
ومن هنا، تبرز أهمية المقاربة التي يطرحها إعلان الرباط، باعتبار أن نزع السلاح لا يكتمل بمجرد إلقاء السلاح، وأن التسريح لا يحقق أهدافه دون إعادة إدماج حقيقية ومستدامة.
وفي النهاية، يضع هذا النقاش قضية بسيطة في جوهرها، لكنها عميقة في آثارها: الطفل الذي خرج من الحرب يحتاج إلى أكثر من الحماية؛ يحتاج إلى فرصة حقيقية للعودة إلى طفولته وحياته ومستقبله.
وتبقى المسؤولية مشتركة بين الدول والمنظمات والمجتمعات المحلية، حتى لا يتحول الأطفال إلى ضحايا دائمين لنزاعات لم يختاروا الدخول فيها، وحتى تصبح العودة إلى الأسرة والمدرسة والمجتمع بداية جديدة، لا مجرد نهاية للنزاع.











