![]()
لم تعد الاستدامة في قطاع النقل والخدمات اللوجستية بالمغرب مرتبطة فقط بتقليص استهلاك الطاقة أو اعتماد وسائل نقل أقل تلويثاً، بل باتت ترتبط أيضاً بظروف العمل والتكوين والسلامة المهنية والمسؤولية تجاه المجتمع. هذا ما خلصت إليه دراسة علمية حديثة، أظهرت أن الجمع بين الممارسات البيئية والاجتماعية يرتبط بأداء أفضل للمقاولات، فيما يظل الأثر المباشر للاستثمارات الخضراء محدوداً نسبياً.
الممارسات الخضراء تحقق نتائج.. لكن تأثيرها يظل محدوداً
كشفت دراسة أكاديمية أنجزها باحثون من المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير بالقنيطرة، التابعة لجامعة ابن طفيل، وEuromed Business School بفاس، عن وجود علاقة إيجابية بين اعتماد الممارسات اللوجستية الصديقة للبيئة وتحسين أداء الشركات العاملة في القطاع بالمغرب.
وشملت الدراسة 210 مسؤولين ومهنيين في مجال اللوجستيك، حيث أبرزت نتائجها أن اعتماد حلول مثل تحسين مسارات النقل، وترشيد استهلاك الطاقة داخل المستودعات، وتقليص مواد التغليف، وإعادة تدوير المواد، وتطوير اللوجستيك العكسي، يساهم في تعزيز الأداء المؤسساتي.
غير أن هذه العلاقة، رغم دلالتها الإحصائية، ظلت محدودة من حيث حجم التأثير، بمعامل بلغ 0.263، ما يشير إلى أن الاستثمار البيئي، بمفرده، لا يكفي لتحقيق تحول ملموس في نتائج المقاولات.
البعد الاجتماعي.. الحلقة التي تعزز أداء المقاولات
من أبرز خلاصات البحث أن الأداء الاجتماعي يرتبط بصورة أوضح بأداء الشركات مقارنة بالتأثير المباشر للممارسات البيئية.
فقد سجلت الممارسات الاجتماعية، التي تشمل السلامة المهنية، وتكوين العاملين، والمساواة بين النساء والرجال، وتعزيز الحوار مع المجتمعات المحلية، معامل ارتباط بلغ 0.379 مع الأداء المؤسساتي.
كما أظهرت النتائج أن الشركات التي تتبنى ممارسات بيئية أكثر تقدماً تميل أيضاً إلى اعتماد سياسات اجتماعية أفضل، بمعامل بلغ 0.494.
وتوضح هذه المعطيات أن الاستدامة لا تتحقق فقط عبر التكنولوجيا والمعدات الحديثة، بل تحتاج كذلك إلى الاستثمار في الإنسان، باعتباره عنصراً أساسياً في استمرارية النشاط وتحسين الإنتاجية.
كيف يتحول الاستثمار الأخضر إلى أداء أفضل؟
تؤكد الدراسة أن الجانب الاجتماعي يؤدي دور الوسيط الجزئي بين الممارسات البيئية ونتائج الشركات.
وبحسب التحليل الإحصائي، بلغ التأثير غير المباشر للممارسات الخضراء عبر الأداء الاجتماعي 0.187، أي ما يمثل 41.5 في المائة من التأثير الإجمالي المقدر بـ0.450.
وتعني هذه النتيجة أن جزءاً مهماً من القيمة التي تحققها الممارسات البيئية يمر عبر تحسين الظروف الاجتماعية داخل المؤسسات.
وبعبارة أخرى، فإن المستودعات المقتصدة للطاقة والأساطيل الأقل تلويثاً قد تحقق نتائج أفضل عندما تقترن بتكوين الموارد البشرية، وتحسين السلامة المهنية، وترسيخ ثقافة المسؤولية داخل المقاولة.
اللوجستيك المغربي أمام تحديات الانتقال المستدام
تأتي هذه النتائج في سياق يتزايد فيه الاهتمام بالدور الاستراتيجي لقطاع اللوجستيك في الاقتصاد المغربي، إذ تشير الدراسة إلى أن هذا القطاع يساهم بنحو 8.7 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، فيما يحتل المغرب المرتبة الثالثة إفريقيا في مؤشر الأداء اللوجستي للبنك الدولي، وفق المعطيات التي اعتمدها البحث.
وعلى المستوى العالمي، يساهم قطاع اللوجستيك بنحو 11 في المائة من انبعاثات الغازات الدفيئة، ما يجعل التحول نحو نماذج تشغيل أكثر استدامة تحدياً اقتصادياً وبيئياً في الوقت نفسه.
ويواجه الفاعلون المغاربة ضغوطاً متزايدة بفعل المعايير البيئية والاجتماعية التي يفرضها شركاء دوليون ومتعاملون أوروبيون، إلى جانب متطلبات التشريعات الوطنية والتوجهات المرتبطة بالصفقة الخضراء الأوروبية.
لكن الدراسة ترصد أن تبني الممارسات الخضراء لا يزال دون المستوى المنشود، إذ تراوحت متوسطات الإجابات المتعلقة بها بين 2.46 و2.89 من أصل 5، وهو ما يعكس محدودية انتشار اعتمادها بصورة منتظمة لدى المؤسسات المستجوبة.
من الامتثال البيئي إلى استراتيجية ESG متكاملة
يرى الباحثون أن التحدي لا يكمن فقط في اعتماد إجراءات بيئية منفردة، بل في الانتقال إلى رؤية شاملة تجمع بين البيئة والمسؤولية الاجتماعية والحكامة، المعروفة اختصاراً بـESG.
ويعزو البحث محدودية الأثر المباشر للممارسات الخضراء إلى مجموعة من العوامل، من بينها استمرار تطوير البنية التحتية اللوجستية، وتشتت السياسات المرتبطة بالاستدامة، فضلاً عن اعتماد بعض المؤسسات إجراءات بيئية استجابة لمتطلبات الامتثال أكثر من كونها جزءاً من استراتيجية بعيدة المدى.
كما يشير إلى أن البعد الاجتماعي لا يزال في عدد من الحالات مرتبطاً بالاستجابة للمعايير المفروضة، مع محدودية الآليات المؤسساتية التي تسمح بتحويله إلى رافعة متكاملة للأداء.
توصيات لتعزيز تنافسية المقاولات المغربية
تدعو الدراسة الشركات إلى الجمع بين الاستثمار في البنيات التحتية الخضراء، مثل المستودعات ذات الكفاءة الطاقية والأساطيل منخفضة الانبعاثات، وبين برامج اجتماعية تستهدف التكوين والسلامة وتحسين بيئة العمل.
أما على مستوى السياسات العمومية، فتقترح اعتماد آليات تمويل تحفيزية، تشمل القروض الخضراء والإعفاءات الضريبية، إلى جانب تطوير معايير قطاعية منسجمة مع المرجعيات الأوروبية، وتعزيز التكوين في مجالات الاستدامة والحكامة.
كما توصي بإدماج مؤشرات إلزامية للتقارير البيئية والاجتماعية والحكامة ضمن عمل الوكالة المغربية لتنمية الأنشطة اللوجستيكية، وإقرار أهداف اجتماعية واضحة في المخطط الوطني للوجستيك.
وتشمل المقترحات أيضاً إعداد أدوات مبسطة لفائدة المقاولات الصغيرة والمتوسطة، بما يساعدها على مواكبة التحولات دون أن تتحول متطلبات الاستدامة إلى عبء يصعب تحمله.
وبالنسبة للفاعلين المرتبطين بمنظومة ميناء طنجة المتوسط، تبرز الدراسة أهمية الاستعداد لمتطلبات التوجيه الأوروبي الخاص بالإبلاغ عن استدامة الشركات (CSRD)، وآلية تعديل الكربون على الحدود (CBAM)، بالنظر إلى انعكاساتهما المحتملة على شروط التنافس في الأسواق الأوروبية.
دراسة ميدانية تستند إلى آراء مهنيي القطاع
اعتمد البحث على استبيان إلكتروني جرى توزيعه بين يناير ومارس 2025، عبر جمعيات مهنية وشبكات متخصصة ومجموعات على منصة لينكدإن.
ومن أصل 300 استبيان موزع، جرى اعتماد 210 إجابات صالحة للتحليل، بنسبة استجابة بلغت 70 في المائة.
وتوزع المشاركون بين مسؤولين في اللوجستيك بنسبة 42 في المائة، وأطر تشغيلية بنسبة 27 في المائة، ومحللين لسلاسل الإمداد بنسبة 18 في المائة، وموظفين إداريين بنسبة 13 في المائة.
واستخدم الباحثون نمذجة المعادلات الهيكلية بطريقة المربعات الصغرى الجزئية (PLS-SEM)، كما أظهرت الاختبارات الإضافية أن حجم المقاولة وعمرها وطبيعة نشاطها لم تكن متغيرات ذات تأثير إحصائي معنوي في النتائج.
الاستدامة تبدأ من الإنسان وتمتد إلى الاقتصاد
تفتح هذه الدراسة نقاشاً مهماً حول مستقبل اللوجستيك بالمغرب، في وقت لم يعد فيه النجاح يقاس فقط بسرعة نقل البضائع أو خفض التكاليف، بل أيضاً بقدرة المقاولات على التوفيق بين النجاعة الاقتصادية والمسؤولية البيئية والاجتماعية.
فالتحول الأخضر لا يتعلق بتغيير المعدات وحدها، وإنما ببناء ثقافة مؤسساتية تجعل من الإنسان والبيئة عنصرين متكاملين في خلق القيمة.
ومن هذا المنطلق، يبدو أن مستقبل القطاع يرتبط بقدرته على الانتقال من مجرد احترام المعايير إلى صناعة نموذج تنموي أكثر توازناً، يواكب تطلعات الاقتصاد المغربي ويمنح الأجيال الجديدة فرصاً للعمل داخل منظومة أكثر استدامة وتنافسية.











