![]()
معرض تفاعلي بالرباط يستعيد سبع سنوات من البحث حول الماء والخرسانة والذاكرة، ويفتح أمام الزائر مساحة للتأمل بين الصورة والصوت والطبيعة
تحتضن الرباط تجربة فنية تتجاوز حدود الصورة الفوتوغرافية، من خلال معرض «المسافة بين» للفنان البصري الأمريكي-الشيلي ماركو غيرا، الذي افتُتح اليوم الخميس، ويستمر من 3 أكتوبر إلى 3 نونبر، بتنظيم من ورشة «قنطرة» للفن والثقافة.
ويقدم المعرض مجموعة من أعمال الفنان ضمن مشروعه «الأحجام والخطوط»، في تجربة تجمع الصورة والتركيب الصوتي، وتدعو الزائر إلى إعادة النظر في العلاقة بين الماء والهندسة، وبين الطبيعة والفضاءات التي يصنعها الإنسان لاحتواء هذا العنصر الحيوي.
سبع سنوات خلف عدسة تبحث عن الماء
لم يكن مشروع ماركو غيرا وليد لحظة عابرة، بل جاء نتيجة بحث فوتوغرافي وفني امتد على مدى سبع سنوات، ركز خلالها على هندسة خزانات الري في شمال إفريقيا.
وباستخدام كاميرا تقليدية من طراز روليفليكس ذات الحجم المتوسط والعدسة المزدوجة، التقط الفنان تفاصيل المنشآت الخرسانية وأشكالها، محولاً هياكل تبدو للوهلة الأولى عملية وصامتة إلى موضوع للتأمل الجمالي والفلسفي.
ومن خلال هذه الصور، لا يكتفي غيرا بتوثيق العمارة، بل يبحث عن العلاقة الخفية بين المادة والماء، وبين صلابة الخرسانة وحركة عنصر لا يتوقف عن تغيير شكله ومساره.
حين تلتقي الصورة بصوت الماء
أحد أبرز عناصر المعرض هو الجمع بين الصورة والتركيب الصوتي «ذكريات الماء»، بما يجعل تجربة الزائر متعددة الحواس.
فالعمل الفني هنا لا يُشاهد فقط، بل يُستمع إليه أيضاً، في محاولة لخلق مساحة تتداخل فيها الصور والأصوات والذاكرة.
وتقوم الفكرة الأساسية للمعرض على استكشاف «المسافة» الفاصلة بين الماء الموجود داخل الأعمال الفنية وأمواج المحيط الأطلسي، وكذلك بين الأشكال الهندسية الصلبة التي صنعتها الخرسانة والحركة الحرة للطبيعة.
إنها مسافة تبدو مادية في البداية، لكنها تتحول تدريجياً إلى سؤال حول علاقتنا بالمكان والذاكرة والعناصر الطبيعية من حولنا.
من الأطلس إلى المحيط.. رحلة فنية للماء
يمنح الماء أعمال ماركو غيرا بعداً يتجاوز الجغرافيا. فالفنان ينظر إليه باعتباره خيطاً يربط بين فضاءات مختلفة، من منابع الأطلس وصولاً إلى المحيط.
ويقول الفنان إن اهتمامه بالمياه والهياكل المعمارية التي تحتويها قاده إلى تحويل بحثه الطويل إلى نوع من التأمل في رحلة الماء، مستلهماً في جزء من رؤيته من شعر الشاعر الشيلي بابلو نيرودا.
ومن خلال هذه المقاربة، يصبح الماء في أعماله أكثر من موضوع بصري؛ فهو يحمل معنى الحركة والاستمرارية والذاكرة، فيما تتحول المنشآت التي تحتضنه إلى شواهد على علاقة الإنسان بالطبيعة ومحاولته تنظيمها وتوجيهها.
فن يتجاوز اللغة والحدود
بالنسبة إلى ماركو غيرا، الذي ولد في الشيلي ويقيم بين نيويورك ومراكش، لا ينبغي للفن أن يتوقف عند اختلاف اللغات أو الثقافات.
وتقوم ممارسته الفنية على المزج بين التصوير الفوتوغرافي والتركيب الصوتي والنحت والسينما، مع اهتمام واضح بالأسئلة المرتبطة بالتجربة الإنسانية والذاكرة والطبيعة.
ومن هذا المنطلق، يسعى معرض «المسافة بين» إلى مخاطبة الزائر بعيداً عن الحواجز الثقافية أو اللغوية، من خلال موضوع بسيط وعالمي في آن واحد: الماء، وما يحمله من معانٍ مشتركة بين البشر.
«دعوة للتمهل» داخل فضاء المعرض
وترى مؤسسة ورشة «قنطرة» للفن والثقافة، زينب الإدريسي، أن المعرض لا يقدم أعمالاً بصرية فحسب، بل يقترح على الجمهور طريقة مختلفة في استقبال الفن.
فالجمع بين الصور والتكوينات الصوتية يفتح المجال أمام الزائر للتوقف والإنصات والتأمل، واستكشاف المسافة غير المرئية التي تفصل بين العمل الفني والطبيعة وبين الإنسان وذاته.
وفي زمن تتسارع فيه الصور وتتزاحم فيه الأصوات، تبدو هذه الدعوة إلى التمهل جزءاً أساسياً من تجربة المعرض، حيث يصبح الصمت والإنصات وسيلة أخرى لفهم العمل الفني.
تجربة فنية لها امتداد في المغرب
لا يمثل معرض «المسافة بين» الظهور الأول لأعمال ماركو غيرا في الساحة الفنية المغربية، فقد سبق لمجموعة «الأحجام والخطوط» أن عرضت في عدد من الفضاءات الفنية المعروفة، من بينها غاليري دار الباشا وقصر البديع بمراكش ضمن فعاليات «لقاءات التصوير الفوتوغرافي»، إضافة إلى مؤسسة «أرتوريوم» التابعة لمجموعة «تي جي سي سي» بالدار البيضاء.
ويأتي عرضها في الرباط ليمنح هذا المشروع محطة جديدة، ويتيح للجمهور اكتشاف تجربة فنية تقوم على التقاطع بين الصورة والصوت والهندسة والطبيعة.
في النهاية، يقترح ماركو غيرا على زوار المعرض أكثر من مجرد مشاهدة مجموعة من الصور. إنه يدعوهم إلى الاقتراب من التفاصيل، والإنصات لما وراء الصورة، والتفكير في الماء باعتباره ذاكرة تتحرك بين الجبال والمنشآت والأنهار والمحيط.
وربما هنا تكمن قوة «المسافة بين»: في تلك المساحة الصغيرة التي تفصل بين ما نراه وما نشعر به، وبين الأشياء كما تبدو للعين والمعاني التي يمكن أن تخفيها في صمتها.











