![]()
لم تكن أمسية موسيقية عابرة تلك التي احتضنها فضاء «فلاجي» في بروكسل، مساء الأربعاء، بعدما تحولت الخشبة إلى مساحة يلتقي فيها التراث المغربي بالنَفَس الأوركسترالي الغربي، في أول ظهور لـ**«الأوركسترا المغاربية لبروكسل»**، بمشاركة نخبة من الموسيقيين والفنانين وأصوات شابة من أكاديمية فلاجي.
ومن خلال أنغام الملحون والغرناطي، حمل الحفل إلى العاصمة البلجيكية جانباً من الذاكرة الموسيقية المغربية، في تجربة فنية سعت إلى تقديم التراث ليس باعتباره موروثاً محفوظاً فحسب، وإنما مادة قابلة لإعادة التشكيل واللقاء مع مدارس موسيقية مختلفة.
سناء مرحاتي تقود الرحلة الموسيقية
كانت الفنانة المغربية سناء مرحاتي في قلب هذا الموعد الفني، حيث اعتلت الخشبة رفقة أكثر من ثلاثين موسيقياً، في عرض جمع بين صوتها وآلات موسيقية متعددة، من العود والقانون والناي والإيقاعات، وصولاً إلى الآلات الأوركسترالية الغربية.
وقدمت مرحاتي مجموعة من الأغاني المستوحاة من رصيد الموسيقى المغربية، من بينها «شمس العشية» و«محني الزين العمر» و«مولاي إبراهيم» و«أنا قلبي بيدي كويتو» و«يا بنت بلادي»، مستحضرة تنوع الألوان الغنائية المغربية وامتدادها عبر أجيال متعاقبة.
ولم يقتصر الحضور المغربي على الغناء، إذ شارك في العرض عدد من الموسيقيين، بينهم محمد أمين القرشي على القانون، وأحمد الماعي ومحمد أحداف على العود، وعبد الرحيم السملالي على الكمان، إلى جانب موسيقيين ينتمون إلى خلفيات وتجارب مختلفة.
أكثر من 60 صوتاً شاباً على الخشبة
أضافت مشاركة نحو 60 صوتاً شاباً من كورال أكاديمية فلاجي بعداً آخر للأمسية، حيث اجتمعت على الخشبة أجيال وتجارب موسيقية وثقافية متعددة.
هذا الحضور الشبابي منح المشروع بعداً يتجاوز العرض الفني، من خلال إتاحة فرصة للتفاعل بين الأجيال ونقل عناصر من التراث الموسيقي المغربي إلى فضاء جديد، بعيداً عن القوالب التقليدية التي غالباً ما يقدم فيها هذا النوع من الموسيقى.
وتحت الإدارة الموسيقية لقائد الأوركسترا توم كوهين، جرى الاشتغال على صياغة تجمع بين الكتابة الموسيقية الأوركسترالية والتقاليد الموسيقية المغاربية، في محاولة لإنتاج حوار فني بين ضفتي المتوسط.
أوركسترا جديدة تولد من رحم التنوع
اللافت في هذا الموعد أن الحفل لم يكن مخصصاً للاحتفاء بالموسيقى المغربية فقط، بل شكل أيضاً إعلاناً عن انطلاق مشروع موسيقي جديد في بروكسل.
فالعاصمة البلجيكية، بما تختزنه من تنوع ثقافي ولغوي، توفر فضاءً طبيعياً لمثل هذه التجارب التي تبحث عن نقاط الالتقاء بين التقاليد الموسيقية المختلفة.
ومن هذا المنطلق، تبدو «الأوركسترا المغاربية لبروكسل» مشروعاً يراهن على جعل الموسيقى المغاربية جزءاً من المشهد الثقافي المتنوع للمدينة، مع فتح المجال أمام تجارب جديدة تجمع بين الأصالة والتجديد.
الموسيقى.. لغة تتجاوز الحدود
وفي كلمة خلال افتتاح الحفل، أشاد سفير المغرب ببلجيكا والدوقية الكبرى للوكسمبورغ، محمد عامر، بتنظيم هذه الأمسية، موجهاً الشكر إلى الجوق الفيلهارموني لبروكسل والكورال ومختلف المشاركين في إنجاح هذا الموعد.
وأكد أن الموسيقى قادرة على تجاوز الحدود واختصار المسافات بين الشعوب، باعتبارها وسيلة للتواصل والتقارب بين الثقافات، معرباً عن أمله في أن يشكل هذا الحفل بداية لدينامية ثقافية جديدة بين ضفتي المتوسط.
وشهدت الأمسية حضور شخصيات حكومية وسياسية بلجيكية، إلى جانب عدد من أفراد الجالية المغربية المقيمة ببلجيكا.
حين يصبح التراث جسراً إلى المستقبل
في بروكسل، لم يكتفِ الملحون والغرناطي باستعادة ألحان من الذاكرة المغربية، بل دخلا في حوار مع أصوات وآلات وتجارب موسيقية أخرى.
وهنا تكمن أهمية هذه التجربة: أن يظل التراث حياً لأنه يتجدد، وأن تنتقل الموسيقى من جيل إلى آخر من خلال المشاركة واللقاء، لا من خلال الحفظ وحده.
ومن قلب بروكسل، اختارت الأوركسترا المغاربية أن تبدأ رحلتها بالموسيقى المغربية، في مشهد يعكس قدرة الفن على بناء جسور هادئة بين الثقافات، وجعل الاختلاف مساحة للإبداع والتعارف











