انتخابات الأقاليم الجنوبية تحت مجهر دولي.. إشادة بالتنظيم وملاحظات تفتح نقاش الإصلاح

بنونة فيصلمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
انتخابات الأقاليم الجنوبية تحت مجهر دولي.. إشادة بالتنظيم وملاحظات تفتح نقاش الإصلاح

Loading

تقرير المعهد الجمهوري الدولي يرصد مشاركة مرتفعة وسيراً منظماً للاقتراع.. ويقترح تعزيز الشفافية وحماية المعطيات وتطوير إدارة الانتخابات

أعاد تقرير صادر عن المعهد الجمهوري الدولي تسليط الضوء على مسار الانتخابات التشريعية التي جرت بالمغرب في 23 شتنبر 2026، من خلال تقييم ميداني ركز على الأقاليم الجنوبية، ولا سيما جهتي العيون-الساقية الحمراء والداخلة-وادي الذهب.

التقييم، الذي نُشر في 29 شتنبر، خلص إلى أن يوم الاقتراع في المناطق التي عاينتها فرق المعهد مر في أجواء هادئة ومنظمة، مع تسجيل حضور واسع لممثلي الأحزاب والملاحظين خلال مراحل التصويت والفرز وتجميع النتائج، إلى جانب تعامل مهني من السلطات الانتخابية والأمنية مع العملية.

لكن التقرير لم يقدّم صورة أحادية الجانب، إذ جمع بين الإشادة بالتدبير الميداني وبين مجموعة من الملاحظات المرتبطة بطريقة التصويت، ونشر النتائج، وحماية بيانات الناخبين، وإتاحة المشاركة للأشخاص في وضعية إعاقة، فضلاً عن الرقابة على تمويل الحملات والادعاءات المتعلقة بشراء الأصوات.

مشاركة جنوبية تتجاوز المعدل الوطني

من أبرز الأرقام التي توقف عندها التقرير ارتفاع نسبة المشاركة في الأقاليم الجنوبية مقارنة بالمعدل الوطني.

فبحسب الأرقام التي راجعها فريق المهمة، بلغت المشاركة نحو 77 في المائة بجهة العيون-الساقية الحمراء، وحوالي 61 في المائة بجهة الداخلة-وادي الذهب، مقابل 38.08 في المائة وطنياً.

وتكشف مقارنة هذه الأرقام بالاستحقاقات السابقة أن ارتفاع المشاركة في المنطقة ليس ظاهرة مستجدة. فقد سجلت العيون-الساقية الحمراء 68.7 في المائة سنة 2021 و59.5 في المائة سنة 2016، بينما بلغت النسبة في الداخلة-وادي الذهب 59.5 في المائة سنة 2021 و53.8 في المائة سنة 2016.

في المقابل، تراجع المعدل الوطني من 50.9 في المائة سنة 2021 إلى 38.08 في المائة خلال انتخابات 2026.

ولا يربط المعهد هذا الفارق بسبب واحد، بل يعتبر أن تفسير أنماط المشاركة يحتاج إلى قراءة أوسع تأخذ بعين الاعتبار العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والسياقات المحلية المختلفة.

اقتراع منظم وآليات متعددة للتحقق

على المستوى الميداني، أفاد التقرير بأن مكاتب الاقتراع التي تمت معاينتها فتحت في الوقت المحدد، وكانت المواد الانتخابية متوفرة، فيما جرى تدبير عمليات العد وتجميع النتائج بالاعتماد أساساً على إجراءات يدوية مدعومة بعدة مستويات من التحقق.

وشملت هذه الإجراءات المطابقة اليدوية للأصوات، وعمليات تحقق متوازية، فضلاً عن آليات إضافية خلال نقل النتائج، بهدف تقليص احتمالات الخطأ وتعزيز سلامة العملية.

كما استفاد ممثلو الأحزاب والملاحظون المعتمدون من ولوج واسع إلى عمليات التصويت والفرز وتجميع النتائج، في حين وصف التقرير أداء عناصر الأمن بالمِهني، مؤكداً أنها لم تتدخل في عملية التصويت.

وشملت مهمة التقييم أربع فرق ميدانية تابعت عمليات فتح مكاتب الاقتراع والتصويت والفرز والإغلاق في عدد من المواقع بجهتي العيون-الساقية الحمراء والداخلة-وادي الذهب.

حضور حزبي.. وتفاوت في التكوين

سجل المعهد حضوراً منتظماً لممثلي عدد من الأحزاب في مكاتب الاقتراع التي تمت معاينتها.

وفي العيون-الساقية الحمراء، شمل ذلك ممثلين عن الأصالة والمعاصرة والاستقلال والتجمع الوطني للأحرار والعدالة والتنمية والتقدم والاشتراكية والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بينما سجل في الداخلة-وادي الذهب حضور ممثلي الأصالة والمعاصرة والاستقلال والتجمع الوطني للأحرار والعدالة والتنمية والحركة الشعبية.

غير أن وجود الممثلين لم يكن مصحوباً دائماً بالمستوى نفسه من المعرفة بالإجراءات الانتخابية، إذ سجل التقرير تفاوتاً في تكوين وكلاء الأحزاب وفهمهم لمراحل التصويت والفرز.

وهذه الملاحظة تضع مسألة التكوين في قلب النقاش حول الانتخابات، لأن وضوح الأدوار والإجراءات لا يهم الناخب وحده، بل يشمل أيضاً مختلف المتدخلين في يوم الاقتراع.

ورقة الاقتراع.. تفصيل صغير بتأثير كبير

من بين النقاط الإجرائية التي أثارت انتباه فريق التقييم، طريقة تقديم التعليمات للناخبين.

فالتقرير أشار إلى غياب تعليمات واضحة داخل مكاتب التصويت تشرح كيفية وضع العلامة الصحيحة على ورقة الاقتراع، كما لاحظ أن تصميم الورقة تسبب في ارتباك لدى بعض الناخبين، وربما ساهم في ارتفاع عدد الأوراق الملغاة.

كما رصد اختلافاً في طريقة تعامل بعض رؤساء مكاتب التصويت مع الأوراق التي لا تستوفي الشروط بشكل كامل، خصوصاً عند محاولة تحديد نية الناخب.

وسجل الفريق كذلك تفاوتاً في بعض الممارسات المرتبطة بمساعدة الناخبين، وعدّ الأوراق غير المستعملة، واستخدام الحبر الانتخابي.

وبالنسبة إلى المعهد، فإن توحيد هذه الممارسات وتوضيحها يمكن أن يحد من الاختلافات بين مكاتب التصويت ويجعل التجربة الانتخابية أكثر وضوحاً بالنسبة إلى الناخبين.

شراء الأصوات.. التقرير يذكر الادعاءات ويحذر من التعميم

لم يغفل التقييم ملفاً حساساً يتعلق بالادعاءات المرتبطة بشراء الأصوات.

وقال المعهد إنه تلقى إفادات بهذا الشأن، كما رصد بعض السلوكيات التي اعتبرها متوافقة مع هذه الممارسة، من بينها التصويت الجماعي وتنسيق الناخبين.

لكن التقرير وضع قيداً مهماً على هذه الملاحظات، إذ أكد أن فريق التقييم لم يكن قادراً على التحقق بشكل مستقل من حجم انتشار هذه الممارسات أو تأثيرها على النتائج.

ولهذا أوصى بمواصلة تعزيز مراقبة تمويل الحملات، والتحقيق في الادعاءات ذات المصداقية المتعلقة بشراء الأصوات بطريقة سريعة ومحايدة وشفافة.

شفافية النتائج.. خطوة إضافية مطلوبة

في جانب آخر، سجل التقرير أن ممثلي الأحزاب والملاحظين استفادوا من إمكانية واسعة لمتابعة عمليات التصويت والفرز، وأن عملية العد ونقل النتائج تضمنت مستويات متعددة من التحقق.

لكن المعهد توقف عند مسألة عدم نشر النتائج التفصيلية لكل مكتب اقتراع على نحو يتيح للجمهور الاطلاع عليها مباشرة بعد انتهاء عملية الفرز.

ويشير التقرير إلى أن القانون لا يفرض تعليق هذه النتائج، لكنه يرى أن توفيرها للعموم من شأنه أن يفتح المجال أمام تحليل مستقل أوسع من جانب الباحثين والصحافيين والمجتمع المدني.

كما دعا إلى مزيد من نشر المعطيات الانتخابية والشكايات والتحقيقات والوثائق المتعلقة بالنتائج، باعتبار أن الوصول إلى المعلومات لا يعزز الرقابة فقط، بل يساعد المواطن أيضاً على فهم الكيفية التي تمر بها العملية الانتخابية من صندوق الاقتراع إلى النتيجة النهائية.

حماية البيانات وحق الجميع في التصويت

أثار التقرير كذلك مسألة حماية المعطيات الشخصية، بعدما سجل أن ممثلي الأحزاب تمكنوا من الوصول إلى لوائح ناخبين تتضمن معلومات شخصية حساسة.

ويرى المعهد أن هذا الوضع يطرح أسئلة حول حماية الخصوصية وكيفية التعامل مع البيانات الانتخابية.

وفي السياق نفسه، سجل الفريق تحديات مرتبطة بولوج الأشخاص في وضعية إعاقة إلى بعض مكاتب التصويت، خصوصاً في ظل غياب مقصورات تصويت بارتفاع مناسب للكراسي المتحركة في بعض المواقع.

كما لاحظ تفاوتاً في طريقة مساعدة بعض المسنين، إضافة إلى حالات اكتظاظ ظهرت في بعض المكاتب خلال فترات ارتفاع عدد الناخبين، خصوصاً قرب نهاية يوم الاقتراع.

انتخابات 2026 في ظل إصلاحات جديدة

جرت الانتخابات التشريعية في إطار قانوني عرف مجموعة من المستجدات.

ومن بين الإصلاحات التي أشار إليها المعهد رفع سقف التمويل العمومي للمرشحين، وتوسيع آليات استرداد النفقات لفائدة المرشحين الشباب دون 35 سنة، وتعزيز قواعد التصريح بتمويل الحملات، فضلاً عن وضع مقتضيات تتعلق باستخدام الذكاء الاصطناعي والمحتوى الرقمي المتلاعب به في التواصل الانتخابي.

كما أشار التقرير إلى إحداث آليات جديدة للتبليغ عن المخالفات الانتخابية، ولجنة مركزية لمراقبة الانتخابات، وتعزيز جهود المجلس الوطني لحقوق الإنسان، واستمرار خط المساعدة الانتخابية 2727، إلى جانب إجراءات تستهدف تسهيل مشاركة المغاربة المقيمين بالخارج.

ومع ذلك، نقل التقرير عن فاعلين انتخابيين استمرار وجود تساؤلات حول توزيع الاختصاصات بين مختلف المؤسسات المتدخلة في إدارة الانتخابات ومراقبتها وتلقي الشكايات وإنفاذ القانون والتوعية الانتخابية.

توصية بإعادة التفكير في هندسة إدارة الانتخابات

في ختام تقييمه، طرح المعهد فكرة إنشاء هيئة انتخابية مستقلة ترتبط إدارياً وإشرافياً بوزارة الداخلية والبرلمان، مع إمكانية دمجها أو ربطها باللجنة المركزية لمراقبة الانتخابات.

ويقدم التقرير هذه الفكرة باعتبارها وسيلة يمكن أن تجمع بين الخبرة الإدارية واللوجستيكية التي تتوفر عليها وزارة الداخلية، وبين إسناد دور أكبر لهيئة مستقلة في الإشراف على سياسات وممارسات إدارة الانتخابات.

وتندرج هذه التوصية ضمن رؤية أوسع للتقرير تعتبر أن تطوير إدارة الانتخابات لا يرتبط فقط بيوم التصويت، وإنما أيضاً بكيفية توزيع المسؤوليات، وتوفير المعلومات، ومعالجة الشكايات، ومراقبة التمويل، وتكوين المتدخلين.

مهمة محدودة.. ونتائج لا تعمم على كل المغرب

من المهم قراءة التقرير ضمن حدوده المنهجية.

فالمعهد يؤكد أن مهمته كانت عبارة عن تقييم تقني سريع، بدأ التحضير له منذ غشت 2026، قبل أن ينشر فريقاً من 13 خبيراً خلال الفترة الممتدة من 10 إلى 25 شتنبر.

والتقى الفريق بممثلين عن مؤسسات حكومية وهيئات انتخابية وأحزاب سياسية ومنظمات مدنية وصحافيين وأكاديميين وفاعلين في العملية الانتخابية.

ويوم الاقتراع، انتشرت أربع فرق لمراقبة عمليات فتح مكاتب التصويت والتصويت والفرز والإغلاق في مناطق من جهتي العيون-الساقية الحمراء والداخلة-وادي الذهب. لذلك يؤكد المعهد أن ملاحظاته المباشرة لا تعكس بالضرورة ظروف الانتخابات في جميع مناطق المغرب.

بين حصيلة اليوم الانتخابي وأسئلة المستقبل

تكشف قراءة التقرير أن تقييم الانتخابات في الأقاليم الجنوبية لا يتوقف عند وصف يوم الاقتراع، بل يفتح نقاشاً أوسع حول كيفية جعل العملية الانتخابية أكثر وضوحاً وانفتاحاً وسهولة بالنسبة إلى المواطن.

ففي الجانب الميداني، سجل المعهد اقتراعاً منظماً في المناطق التي عاينها، مع حضور لممثلي الأحزاب والملاحظين، وإجراءات متعددة للتحقق من الأصوات والنتائج، وأداء مهني لمسؤولي مكاتب التصويت.

وفي المقابل، وضع أمام المؤسسات والفاعلين مجموعة من الملفات التي تستحق مواصلة النقاش: تبسيط ورقة الاقتراع، توحيد الإجراءات، تكوين المتدخلين، نشر النتائج التفصيلية، حماية المعطيات الشخصية، تحسين الولوج بالنسبة إلى الأشخاص في وضعية إعاقة، وتشديد مراقبة تمويل الحملات.

وفي النهاية، تبدو أهمية هذا النوع من التقارير في أنه يحول الانتخابات من مجرد يوم انتخابي ينتهي بإغلاق الصناديق إلى مسار مؤسساتي متواصل، تُقاس جودته أيضاً بمدى قدرة النظام الانتخابي على الاستماع إلى الملاحظات وتحويلها إلى تحسينات عملية.

وبالنسبة إلى المواطن، تظل المسألة أبسط في جوهرها: أن يجد أمامه إجراءات مفهومة، ومعلومة واضحة، وظروفاً تسمح له بممارسة حقه في التصويت بسهولة وسرية، وأن يعرف بعد ذلك كيف انتقلت الأصوات من مكاتب الاقتراع إلى النتائج المعلنة.

فكلما كانت هذه الرحلة أوضح وأكثر قابلية للفهم والمراقبة، اتسعت مساحة الثقة، وأصبح الاقتراع ليس فقط مناسبة سياسية، بل ممارسة مؤسساتية أكثر قرباً من الحياة اليومية للمواطن.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: عفوا !!