![]()
احتضنت مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود بالدار البيضاء، يوم الخميس، لقاءً ثقافياً خُصص لتقديم المؤلف الجماعي «Lire les sociétés africaines / Reading African Societies»، الذي يشرف على تنسيقه كل من علي بنمخلوف وحسين دهبي، في محاولة لتقديم قراءة متعددة الأبعاد لتاريخ المجتمعات الإفريقية وتحولاتها الاجتماعية والثقافية والفكرية.
ويقدم هذا العمل، الصادر سنة 2025، مقاربة تتجاوز النصوص المكتوبة لتشمل الممارسات اليومية والإيماءات والتقنيات، بما يتيح فهماً أعمق للتجارب التاريخية التي أسهمت في تشكيل المجتمعات الإفريقية، وللديناميات التي تواصل التأثير في حاضرها.
وخلال اللقاء، استعرض علي بنمخلوف، الأستاذ بجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية ومدير مركز الدراسات الإفريقية، أبرز محاور الكتاب، الذي جاء ثمرة لقاء علمي نظمه المركز ببنجرير خلال الفترة الممتدة من 7 إلى 9 دجنبر 2023.
استعادة الذاكرة الإفريقية وقراءة التاريخ من الداخل
وتوقف بنمخلوف عند المحطات المؤلمة التي طبعت التاريخ الحديث للقارة الإفريقية، مستحضراً أعمال الفيلسوف الكاميروني أشيل مبيمبي، الذي تناول التحولات العميقة المرتبطة بالإبادة والترحيل وتجارة الرقيق وتشكّل الشتات الإفريقي.
كما استحضر أفكار إدوار غليسان وباتريك شاموازو بشأن الآثار الإنسانية والثقافية لتجارة الرقيق والتهجير القسري، وكيف أسهمت هذه التجارب في تفكيك عوالم قائمة وظهور فضاءات وعلاقات جديدة امتدت آثارها إلى مناطق بعيدة عن القارة.
وفي هذا السياق، يطرح المؤلف أهمية إعادة بناء الأرشيف التاريخي الإفريقي واستعادة الروايات التي ظلت مهمشة، من خلال إبراز شخصيات وتجارب غابت طويلاً عن المناهج التعليمية والسرديات التاريخية السائدة.
ولا تقتصر هذه المقاربة على توثيق المآسي، بل تمتد إلى استكشاف أشكال المقاومة التي واجه بها الأفارقة الاسترقاق والاستعمار، مع التأكيد على ضرورة قراءة التاريخ من منظور المجتمعات المعنية، والإنصات إلى أصواتها وفهم قدرتها على الفعل وصناعة التحولات.
ما وراء مفهوم الحداثة
ومن بين القضايا الفكرية التي يتناولها الكتاب، مفهوم الحداثة وكيفية فهمه بعيداً عن التصورات الجاهزة التي قد تفرض نموذجاً واحداً للعيش والتطور.
وفي هذا الإطار، أحال بنمخلوف على أعمال طارق صبري، الباحث بجامعة وستمنستر، الذي يقترح استخدام مفهوم «moderness» للتعبير عن أنماط العيش والتجارب الملموسة للأفراد، بدلاً من الاقتصار على مفهوم الحداثة بصيغته المتداولة.
وتتيح هذه المقاربة، وفق العرض المقدم، التفكير في الحداثة انطلاقاً من الحياة اليومية وتجارب الناس، دون تحويلها إلى معيار إلزامي قد يؤدي إلى تجاهل خصوصيات المجتمعات وتنوع مساراتها.
الأدب والمجتمع المدني.. روافد لفهم القارة
ويمتد اهتمام المؤلف إلى الروابط الثقافية والأدبية بين بلدان المغرب الكبير وبقية مناطق إفريقيا، مسلطاً الضوء على مسارات التبادل والتفاعل التي تتجاوز الحدود الجغرافية، وتساهم في بناء فضاءات مشتركة للحوار والإبداع.
كما يخصص حيزاً لدراسة دينامية المجتمع المدني الإفريقي، من خلال أنشطة الجمعيات ومبادرات الفاعلين المحليين في مجالات حيوية، من بينها الصحة والتعليم واليقظة البيئية، باعتبارها مكونات أساسية لفهم التحولات التي تعرفها المجتمعات الإفريقية.
ومن خلال تنوع المساهمات التي تجمع بين التاريخ والفلسفة والأدب والعلوم الاجتماعية، يسعى كتاب «Reading African Societies» إلى تقديم قراءة متجددة للقارة، تستحضر ذاكرتها التاريخية وتنوع تجاربها، وتربط ماضيها بتحولاتها الراهنة.
ويؤكد هذا العمل أهمية اعتماد مقاربات متعددة التخصصات لفهم إفريقيا، ليس فقط من خلال ما كُتب عنها، بل أيضاً عبر ما راكمته مجتمعاتها من ممارسات ومعارف وتجارب إنسانية، بما يعزز حضورها في النقاشات الفكرية والثقافية المعاصرة.











