![]()
احتضنت الدورة الرابعة عشرة للمعرض الجهوي للكتاب والنشر بطنجة ندوة فكرية حول جدلية الثقافة والحدود، جمعت باحثين وأكاديميين ومترجمين لمناقشة أبعاد الحدود الجغرافية والسياسية واللغوية والاجتماعية، ودورها في تشكيل الهوية والانتماء، فضلاً عن قدرة الثقافة على تجاوز الحواجز وتعزيز الحوار بين المجتمعات.
وشكل اللقاء، المنظم تحت شعار «طنجة، مرفأ الخيال ومرسى الكتاب»، مناسبة لتبادل الرؤى حول مفهوم الحدود باعتباره موضوعاً يتجاوز التقسيمات الترابية للدول، ليشمل أيضاً الاختلافات الثقافية واللغوية والتمثلات الاجتماعية التي تؤثر في علاقة الإنسان بذاته وبالآخر.
الأدب والترجمة.. من الحواجز إلى فضاءات التواصل
وفي مداخلتها، أبرزت الأستاذة الجامعية والباحثة والمترجمة نادية العشيري قدرة الأدب والترجمة على تفكيك الحدود المادية والرمزية، وتحويل تجربة الاغتراب إلى فرصة للمعرفة والتفاعل الإنساني.
واعتبرت أن الأدب يتيح تجاوز التصورات القائمة على الفصل الصارم بين الذات والآخر، وبين الداخل والخارج، من خلال فتح فضاءات مشتركة تلتقي فيها التجارب الإنسانية وتتفاعل الثقافات بعيداً عن الأحكام المسبقة.
واستحضرت في هذا السياق تجربة الكاتبة المغربية الراحلة فاطمة المرنيسي، من خلال كتابها «نساء على أجنحة الحلم»، مبرزة دور الحكي والخيال في مقاومة القيود الاجتماعية والمكانية، والتعبير عن تطلعات الإنسان إلى الحرية.
كما توقفت عند أفكار المفكر والكاتب المغربي عبد الكبير الخطيبي، ولا سيما مفهوم «النقد المزدوج»، الذي يتيح مساءلة التصورات الجاهزة المرتبطة بالشرق والغرب، والأصالة والمعاصرة، وعلاقة الذات بالآخر.
وأكدت العشيري أن الترجمة لا تقتصر على نقل الكلمات بين اللغات، بل تسهم في تقريب التجارب الفكرية والثقافية، وتمنح الأفكار فرصة للانتقال بين المجتمعات، بما يجعل الاختلاف مدخلاً للتعارف والتفاعل بدل أن يتحول إلى حاجز أمام التواصل.
الحدود تصنع الهوية وتتغير بفعل التفاعل الثقافي
من جانبه، قدم السوسيولوجي والمترجم محمد زرنين قراءة سوسيولوجية وأنثروبولوجية لموضوع الثقافة والحدود، شدد خلالها على ضرورة فهم هذا المفهوم في تعدد مستوياته، من المجال الجغرافي والسياسي إلى اللغة والدين والعادات والتمثلات الجماعية.
وأوضح أن الحدود لا تؤدي وظيفة الفصل فقط، بل تساهم أيضاً في تحديد معاني الهوية والانتماء، وتتغير دلالاتها بفعل التحولات الاجتماعية والتفاعل الثقافي والإبداع.
وأشار إلى أن فهم العلاقة بين الثقافة والحدود يستدعي الانتقال بين مستويات مختلفة من التحليل، تشمل القرية والمدينة والإقليم، وصولاً إلى المجال الحضاري الأوسع، مع مراعاة التوازن بين استمرارية الموروث الثقافي وقدرته على التجدد.
كما أبرز أهمية الترجمة في نقل الموروث وإعادة تقديمه ضمن سياقات جديدة، بما يسمح للثقافات بالتفاعل مع تجارب أخرى دون أن تفقد خصوصياتها.
طنجة.. تاريخ من التعدد والتفاعل بين الحضارات
وفي مقاربته التاريخية، استعرض الأستاذ الجامعي والباحث محمد مزيان مكانة طنجة باعتبارها فضاءً للتعدد الثقافي والتواصل بين الحضارات، مستحضراً دور المدينة خلال القرن التاسع عشر، حين استقطبت الرحالة والدبلوماسيين واحتضنت تمثيليات دبلوماسية أجنبية ومكونات سكانية وثقافية متنوعة.
واعتبر أن التجربة التاريخية للمدينة توفر أرضية لفهم أشكال التعايش والتفاعل بين الثقافات، وتطرح أسئلة حول قدرة المجتمعات على الحفاظ على خصوصياتها والانفتاح في الوقت نفسه على تجارب الآخرين.
كما أشار إلى أن الثقافة لا تقتصر على التعبير عن الهوية المحلية، بل تستمد حيويتها أيضاً من الحرية والمشترك الإنساني، لافتاً إلى أن الفضاءات الرقمية تطرح اليوم تحديات جديدة بشأن العلاقة بين الثقافات المحلية والتعبيرات الوافدة.
معرض الكتاب.. فضاء للحوار وتبادل الأفكار
وتندرج هذه الندوة ضمن البرنامج الثقافي للدورة الرابعة عشرة للمعرض الجهوي للكتاب والنشر بطنجة، الذي يسعى إلى تعزيز حضور الكتاب في الحياة الثقافية، وفتح المجال أمام النقاش الفكري بين الباحثين والكتاب والمترجمين والجمهور.
وتبرز النقاشات التي احتضنها اللقاء أهمية الثقافة بوصفها مجالاً للتواصل وإعادة النظر في التصورات المسبقة، كما تؤكد أن الحدود، مهما تعددت أشكالها، ليست ثابتة بالضرورة، بل يمكن للحوار والمعرفة والإبداع أن تسهم في إعادة رسمها.
ومن هذا المنطلق، تظل القراءة والترجمة والانفتاح على التجارب المختلفة وسائل أساسية لبناء جسور التفاهم بين المجتمعات، وجعل التنوع الثقافي رافعة للتقارب الإنساني والإثراء المتبادل.










