![]()
المغرب اليوم لا يختبر نفسه فقط، بل يُحرَّك على نار الأسئلة. فيضانات القصر الكبير وغرب البلاد ليست مجرد أمطار، بل مرايا تكشف هشاشة بنيتنا، وكل قطرة ماء تحمل تساؤلًا عن استعدادنا، عن قدرتنا على حماية الإنسان قبل الحجر. أسر تحصي خسائرها، طرقات تقطع، والعدالة تُختبر في إضرابات المحامين والجدل حول قوانين جديدة. وفي المقابل، قرار إداري جديد يبسّط مسطرة الحصول على البطاقة الوطنية للقاصرين، رسالة قوية تقول: الطفل ليس ملفًا إداريًا، بل خط أحمر وطني، مستقبل لا يمكن تسويقه في سوق الإجراءات البيروقراطية.
لكن الدولة لا تُختبر فقط في الإجراءات الإدارية. تُختبر في الأسئلة التي يطرحها شعبها، وفي اللحظة نفسها، يرتفع صوت العالم: جيفري إبستين. الرجل الذي حول المال والنفوذ إلى ساحة للظلال، حيث استُغلت قاصرات، وعبر ملايين الصفحات المفرج عنها، رأينا أسماء أميركية وبريطانية وشخصيات ابتكارية بارزة. فرنسا أيضًا دخلت دائرة الأسئلة: جان‑لوك برونيل، وكيل عارضات أزياء فرنسي، قريب من إبستين وخضع للتحقيقات قبل وفاته، وجاك لانغ، وزير الثقافة الفرنسي الأسبق، الذي استُدعي لتوضيح علاقته بالمراسلات، بينما نفى أي مخالفة. حضورهم لا يعني تورطهم، لكنه يطرح سؤالًا عالميًا: إلى أي مدى يمتد نفوذ المال والسلطة؟
والمغرب؟ بينما العالم يراقب، تداولات غير رسمية ذكرت أسماء مغربية، إشارات إلى مراكش، شخصيات بارزة مثل مصطفى التراب ومستشارين سابقين، دون أي دليل قضائي. السؤال يبقى: إذا ظهر اسم بلدنا، هل لدينا جسور تحقق سريعة وشفافة، أم نترك الحقيقة تهرب بين الظلال؟
حين تتشابك القوة والمال والسلطة، يصبح السؤال ليس من تورط، بل من يستطيع أن يحمي؟ فيضان المياه يختبر بنيتنا، الإضرابات تختبر قيمنا، وملفات عالمية تختبر يقظتنا الأخلاقية. البطاقة الوطنية للقاصر خطوة تُحسب، لكنها ليست الدرع الكافي. حماية الطفل ثقافة، تشريع، إعلام مسؤول، وقضاء مستقل. أي غياب لأي عنصر يفتح بابًا للشبح.
والسؤال يزداد: هل يمكن لدولة أن تحمي شعبها من الأخطار المرئية، وتغفل عن تلك الخفية التي تتسلل عبر النفوذ والمال والرسائل المشبوهة؟ إذا كشف العالم أن النفوذ يبدو فوق القانون، فالمجتمع الواعي لا يقيس قوته بالحماية فقط، بل بجرأته على السؤال والشفافية والمساءلة.
الشبح ليس ما يُرى، بل ما يُترك دون سؤال. المغرب أكبر من أي زوبعة إعلامية، وأقوى من أي تشكيك، وقوته الحقيقية تظهر حين يواجه الأسئلة ولا يخافها. في زمن الفيضانات، نحتاج صلابة. في زمن الاحتجاجات، نحتاج عدالة متوازنة. وفي زمن الملفات الدولية الحساسة، نحتاج شجاعة تقول بصوت عالٍ: نحقق، نتحقق، ونُخبر.
وختامًا: إذا تركنا الأطفال في مرمى الظلال، هل نأمل أن تحميهم أوراق وقوانين مكتوبة، أم أن القوة الحقيقية هي في السؤال الذي لا يُسمع؟ السؤال نفسه هو حصن الوطن، والشعب المغربي يعرف كيف يسأل، ويصر على أن يسمع.











