![]()
شيطانٌ من عجين الذات
لقد أبدع الإنسانُ في بناء قصوره السامقة، وفي حياكة خيوط النجوم، وفي تقطير الحكمة من مرارة التجربة. ولكنه، في أشد لحظات المحاكمة الذاتية، مارس جبنًا مدويًا؛ جبنًا جعله يستدعي من غياهب الوهم شبحًا أثيريًا ليحمل عنه وَزْر القسوة.
الشيطانُ ليس سوى نقش متقن، خطَّهُ مدادُ الخوف على جدران القلب. هو اليد الجبانة التي ارتدّت عن الذات، والاعتذارُ الأبديُّ المتلعثم أمام شجاعة الحقيقة. فكم هي قاسيةٌ تلك المرآة حين تعكس الفشل عاريًا! فلا ثوب قدرٍ يواريه، ولا وشاح إغواءٍ يكسوه.
لم يكن هذا المذنبُ الخفيُّ ضروريًا لكون الشرِّ غامضًا، بل لكون الحقيقة موجعة. كان لا بدَّ من كيانٍ آخر، كيانٍ خارجيٍّ، كي نُلقي عليه عباءة إخفاقاتنا وأخطائنا المُخزية، فنُبرئ ساحة النفس من جريمة القصور. لقد اخترعناهُ من عجينِ ذاتنا الهش، وجعلناهُ كبشَ فداءٍ أبديّاً، كي لا نُجبرَ على الاعتراف المرير بأن الوهنَ كامنٌ فينا؛ وأنَّ القرارَ كان لنا، وأنَّ السقوطَ لم يكن إلا اختيارًا.
في كل مرةٍ نصرخ فيها باسم “الشيطان”، نكون في الحقيقة قد أطلقنا صرخةَ هروبٍ من أنفسنا؛ هروبًا من واجبِ حملِ المسؤولية كاملة، بكل ثقلها وظلامها. يا له من إبداعٍ مأساوي! أن نخلقَ فزاعةً لنستريحَ من عناءِ محاربةِ الخصمِ الحقيقي: عجزُ النفس البشرية عن تقبّلِ أن الفشلَ جوهرُ قراراتها، وأن ضعفها هو جوهر وجودها.











