![]()
أصبحنا في كل يوم وساعة ودقيقة نشاهد عبر مواقع التواصل الاجتماعي كائنات غريبة تنشر مقاطع فيديو من أجل الحصول على أرباح مالية أو ما بات يعرف بـ”روتيني اليومي للصعود إلى الطوندونس”. هذه الظواهر والأحداث الاستثنائية تؤثر بشكل سلبي على المجتمع المغربي والعربي وتخلق تشوهاً ممسوخاً في شتى مجالات الحياة.
فعندما نقتحم العالم الافتراضي، الذي يعكس الوضع الواقعي ويعتبر مرآة تعكس شعباً متخلفاً أو متحضراً، نجد على سبيل المثال تطبيقات فيسبوك وإنستغرام وتيك توك وتويتر، حيث نصادف صوراً وتعليقات وفيديوهات يتم نشرها وبثها وتوزيعها من طرف أشخاص عبر صفحات ومجموعات تحتوي على إيحاءات غير أخلاقية تمس الحياء العام بألفاظ وكلمات وجمل نابية ساقطة تحمل محتوى غير مفهوم، مفبرك، منحط، متعفن، وصل إلى درجة اختلاق وإصطناع مقالب مرعبة مضحكة هزلية تعتريها جنون العظمة، وأخرى ذات طابع عنفواني استهزائي يصل بوقاحة إلى خلق حالة فزع ورعب وتمويه، وتسَلُّط بوسائل دنيئة من طرف عائلات مغربية أصبحت تنشر مقاطع لأزواج في صراعات من أجل “البوز”، ومصطلحات “من الحزام لتحت” أي لا تليق لا بالتواصل والحوار وحتى الجدال.
هذا كله من أجل خلق البوز وتحقيق نسبة مشاهدات كبيرة، هدف يلهث ورائه جلهم لاستخلاص أرباح أدسنس على يوتيوب. أي أن هذا يحدث على حساب الجهد والوقت والمال، حيث أصبحنا نقيس كل شيء بعدد المتابعين أو المشاهدات، ويصبح الحدث أو صاحب الحدث مشهوراً بفعل لقطة أو حركة أو كلمة يتم تداولها على أوسع نطاق. هنا يتحقق ما يُسمى بالشهرة الافتراضية الواقعية، ولو على حساب انتهاك حقوق وحرية الآخرين. ويصبح صاحبها مفتخراً قائلاً: “لدي ملايين المتابعين وآلاف المشاهدات”، لكن في التفاهة الخاوية أو التخربيق.
صدق من قال إن عالم التكنولوجيا اليوم سيجعل من الإنسان “إنسوباً”، أي جزء كبير منه يتكون من برامج وأعداد وشيفرات، وجزء آخر جسد بمثابة صنم، جثة هامدة ودماغ آلي على شكل روبوت بشري.
بالتفصيل، منذ زمن قريب كانت العائلات تجتمع على مائدة العشاء وتتواصل بلغة واضحة مفهومة، أما الآن فقد أصبح جلهم يتواصل عن بعد ويستخدم في حواره مع العائلة والمحيط تعبيرات واتس آب وتيليغرام وفيسبوك وتويتر وإنستغرام، وكل هذه الأشياء التي يستخدمها بشكل غير منظم وعقلاني تفقده طبيعته الثقافية وتؤدي إلى انغماسه في التطور التكنولوجي بطريقة سلبية، في واقع يتخبط بين تقليد أعمى للماضي المحتضر ومستقبل ملغوم ومحظور.
في كثير من الأحيان، يراودني السؤال التالي: لتحقيق “البوز” اليوم، هل يحتاج الأمر إلى مستوى عالٍ من الثقافة والفكر، أم يكفي أن تحول نفسك إلى أضحوكة تعرض زوجتك للجميع لتحصل على إعجاب أصحاب مواقع الافتراضيات؟
بداية، كلمة “البوز” بالإنجليزية Buzz تعني “طنين” وهو صوت طيران الدباب، واصطلاحاً تعني تقنية في التسويق تتمثل في جعل الناس يتحدثون عن سلعة أو خدمة قبل إطلاقها في السوق.
عموماً، “البوز” عملية تواصلية جماهيرية مخطط لها أو تلقائية، يعتمد فيها على زعماء الرأي، ويكون محدوداً في الزمن، ينتشر بسرعة كبيرة، ويزول بنفس السرعة.
المشكلة اليوم في ما يسمى “البوز” أنه غالباً يتضمن أخباراً زائفة وغير حقيقية، قد تهدم أكثر مما تبني. فالبوز ليس سيئاً في حد ذاته، إنما الإشكال في محتواه وكيفية استخدامه.
المتابع للشأن المحلي ووسائل الإعلام يلاحظ أن نسبة كبيرة من “البوز” تتضمن أخباراً زائفة، وغالبية الأحداث التي تحققه تتمحور حول البعد الاجتماعي أو الأخلاقي. وهذا يعكس اهتمامات المغاربة، فغالبية الأشياء التي تحقق البوز إما ذات بعد أخلاقي، أو ذات بعد فيه استهتار ببعض المعايير.
الأشياء التي تؤسس لبناء اجتماعي وفكري لا تجد مكانها في هذا البوز، فمداخلة عالم أو مفكر لا تحقق انتشاراً، في حين يلقى حدث قتل أو فضيحة شخصية إقبالاً خياليّاً، مما يعكس الشخصية التي أصبحنا عليها وكيف نتفاعل مع ما هو وجداني وأخلاقي، ولا نتفاعل مع ما هو مصيري وعقلاني.
أما إيجابيات وسلبيات ظاهرة “البوز”، فالأولى تتمثل في كون البوز يثير شيئاً إيجابياً من حيث انتقال المعلومة وكيفية استثمار هذا الانتقال، أما الثانية فتتمثل في مضمون البوز وكيف يشكل العقول والعقليات. من هنا يجب أن يكون هناك دور للعلماء والباحثين في دراسة طبيعة البوز وفهم الخلل في المجتمع الذي يؤدي إلى ظهوره.
البوز ظاهرة طبيعية وعالمية، ولكن مضمونها هو ما يثير القلق، فكل إنسان يريد جلب انتباه الآخرين وأن يصبح مصدر اهتمام لهم، خاصة المراهقون الذين يبحثون عن الانتباه في أسرتهم ومدرستهم وفي المجتمع.
الخطير أن مضمون بعض أنواع البوز تافه ومعادٍ للمجتمع، ويعتمد على العنف والتباهي والكذب والسخرية والسب والشتم، مما يسيء للشخصيات المرموقة. لذلك يجب أن يظل البوز في حجمه الطبيعي، ويكون مضمون محتواه مفيداً ويخدم المجتمع.
في كثير من الحالات، تتحول بعض المواقع من أشخاص مغمورين إلى مشاهير مؤقتين، وهذا يعكس وضعية غير صحية حيث تسمح للأشخاص بالظهور دون تقديم محتوى ذي فائدة. جزء من المسؤولية يقع على المواقع الإخبارية التي تختار الطريق السهل لجلب “الكليك” والمشاركة، مما يغذي الشهرة التافهة.
الشبكات الاجتماعية محايدة في الأساس، فهي مجرد قناة لتمرير المحتوى، وبالتالي المسؤولية تقع أولاً على النخبة والمحتوى المقدم. وسائل التواصل لم تخلق البوز، لكنها أظهرت اهتمامات الناس القائمة بالفعل نحو الترفيه والتسلية.
كما يجب الانتباه لحدود الخصوصية، فالكثير من المستخدمين لا يفرق بين نشر صورة زفافه على باب البيت وبين نشرها على فيسبوك، مع أن النتيجة واحدة. هناك أيضاً فئة من “المؤثرين” الذين يعرفون كيفية استخدام الشبكات لصالحهم، في حين يجهلها آخرون.
إن انتشار البوز التافه مرتبط بعدم وجود محتوى هادف، وبغياب المثقف عن الفضاء العمومي، وتراجع التعليم الجيد، وانعدام الذوق العام، وكسل الناس عن بذل مجهود معرفي. كما يرتبط برغبة الإنسان في الشهرة السريعة، وغياب تشجيع المحتوى الهادف، وغياب الدعم للمبدعين.
البوز هو نتيجة الانتماء إلى زمن الصورة، حيث يسعى الناس للظهور بأي ثمن، مستخدمين وسائل سطحية، خاصة فيما يتعلق بالدين والجنس والسياسة، لتحقيق أكبر قدر من الإثارة والمتابعة. هذا الانتشار السريع يولد الشهرة الزائفة، التي سرعان ما تنقضي، بينما البقاء يكون للأثر الحقيقي المبني على العلم والثقافة والفن والمجهود المستمر.
في النهاية، يبقى السؤال: هل نحن مستعدون لمواجهة هذه الظاهرة من خلال إعادة إنتاج مفهوم النجاح والشهرة، وترسيخ القيم والذوق، ودعم المحتوى الهادف؟ أم سنظل أسيرين للفرجة والتفاهة، حيث تصبح الشهرة مرادفاً للعبث والسطحية؟











