![]()
في القنيطرة، خرجت تلك الليلة بعد الإفطار للمشي، لا بنيّة استقصاء، بل للتمشية فقط. لكن قرب محيط ولاية الأمن بالقنيطرة، صدمت بالواقع:
أطفال صغار في الشارع، بلا أسر، بلا حماية.
بعضهم يتسول، بعضهم يتعاطى المخدرات، وشباب متشردون يفترشون الأرصفة.
ومن بينهم من تبدو عليه اضطرابات نفسية واضحة، يتحدث إلى نفسه أو يصرخ في الفراغ.
في تلك اللحظة، لم يكن تدخلي اختيارًا مهنيًا، بل واجب مواطنة شابة غيورة على وطنها وأبنائه.
القلق على هؤلاء الأطفال يجعلك تتحرك، قبل أن تكون فاعل جمعوي.
بحسب مصادر موثوقة، رغم إيداع الأطفال في مراكز الإيواء، يهرب كثير منهم ويعودون إلى الشارع.
فمن المسؤول هنا؟ الطفل؟
أم المنظومة التي تتركهم دون متابعة؟
أم السياسات الاجتماعية التي تعالج النتائج فقط وتترك الأسباب تنمو في الظل؟
تدخلت لاحقًا، وبتنسيق مع الأمن، تم إيداع طفل قاصر في جمعية خيرية، ثم أُحيل إلى مركز إيواء بأمر من قاضي الأحداث.
النصوص القانونية موجودة:
قانون المسطرة الجنائية المغربي يمنح القاضي صلاحيات حماية القاصرين.
القانون الجنائي المغربي يجرّم تعريض الأطفال للخطر.
دستور المملكة المغربية يؤكد الحق في الحماية والكرامة الإنسانية.
لكن القانون وحده بلا تنفيذ فعلي يصبح ورقة بلا قيمة.
الطفل الذي يهرب من مركز الإيواء، لا يتحمل وزر فشله… بل فشلنا نحن كمجتمع.
ولا يتوقف الأمر عند التشرد فقط.
هناك أطفال وشباب يمرون بالقنيطرة في طريقهم نحو طنجة، أملًا في الهجرة السرية.
يحملون وهم الحياة المثالية في المهجر… من باع لهم هذا الوهم؟ ومن أقنع أبناء وطنهم أن البحر أرحم من أرضهم؟
هؤلاء الأطفال لا يحتاجون إلى وعود زائفة… يحتاجون إلى وطن يعطيهم الحق في الحياة الكريمة، في التعليم، في الشغل، في الأمان.
أما المرضى النفسيون الذين يتجولون ليلًا، فالمأساة أكبر.
هل مكانهم الأرصفة؟
أين الفرق الطبية المتنقلة؟
أين التدخل النفسي القانوني؟
أين المقاربة الإنسانية التي تجعل المريض إنسانًا أولًا قبل أن يكون “مشهدًا مزعجًا”؟
لسنا أمام حالات فردية.
نحن أمام فشل مؤسساتي مركب: تشرد، إدمان، اضطرابات نفسية، وأحلام هجرة محفوفة بالمخاطر.
الأخطر ليس وجود الأطفال في الشارع.
الأخطر أن نعتاد وجودهم.
أن نترك الهجرة السرية تبدو حلمًا أكثر أمانًا من الوطن.
أن نترك المؤسسات تتنقل بين التقارير والبلاغات الموسمية بلا خطة واقعية.
الطفل الذي نتركه الليلة، قد يقف غدًا أمام القضاء، أو في البحر، أو في زنزانة، ونحن نتفرج.
المسؤولية هنا ليست على الطفل… المسؤولية علينا جميعًا: السلطات، القطاع الصحي، المجالس المنتخبة، المجتمع المدني… ونحن كمواطنين.
القنيطرة ليلًا ليست مجرد مدينة هادئة.
إنها اختبار لمجتمع يصر على حماية أطفاله أو يختار الصمت.
الطفولة ليست خيارًا يمكن التهاون فيه… ولا يمكن تركها للصدفة.
بقلم: لطيفة بنعاشير
شابة مواطنة غيورة على وطنها وأبنائه، وفاعلة جمعوية مهتمة بقضايا الصحة النفسية والحماية الاجتماعية











