![]()
في تطور جديد يعكس حدة التوترات العسكرية في الشرق الأوسط، أعلن قائد القيادة العسكرية الأمريكية في المنطقة (سنتكوم) أن القوات الأمريكية تمكنت من تدمير أكثر من 90% من مخزونات الألغام البحرية الإيرانية، في خطوة وُصفت بأنها ذات تأثير مباشر على أمن الملاحة في واحد من أهم الممرات الاستراتيجية للطاقة في العالم.
هذا الإعلان يأتي في سياق مواجهة عسكرية وسياسية متواصلة، تتداخل فيها العمليات الميدانية مع الحسابات الدبلوماسية، وسط مخاوف متزايدة من انعكاسات الصراع على استقرار أسواق الطاقة العالمية وحركة التجارة الدولية.
ألغام بحرية في قلب معادلة الردع
بحسب المعطيات التي قدمها الأدميرال براد كوبر أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأمريكي، فإن الضربات الجوية الأمريكية استهدفت ما وصفه بـ”المخزون الكبير” من الألغام البحرية الإيرانية، والذي يُقدَّر بنحو ثمانية آلاف لغم.
ورغم عدم تقديم أرقام دقيقة حول المواقع التي طالتها العمليات، أو ما إذا كانت الألغام قد دُمّرت في المستودعات أو على متن السفن، فإن التصريحات تؤكد أن القدرات الإيرانية في هذا المجال تعرضت لتراجع كبير.
وتُعد الألغام البحرية من أخطر أدوات الحرب غير المباشرة في الممرات المائية، نظراً لقدرتها على تعطيل حركة السفن التجارية والعسكرية دون الحاجة إلى مواجهة مفتوحة.
إيران بين التراجع العسكري والقدرات غير المباشرة
في المقابل، أشار المسؤول العسكري الأمريكي إلى أن إيران لا تزال تحتفظ بقدرات على إحداث أضرار محدودة عبر هجمات صاروخية أو بطائرات مسيّرة، إضافة إلى دعم فصائل حليفة لها في المنطقة.
لكن التقييم الأمريكي يرى أن هذه القدرات، رغم استمرارها، لم تعد قادرة على تهديد العمليات الإقليمية واسعة النطاق أو التأثير بشكل مباشر على حرية حركة القوات الأمريكية في البحر والجو.
هذا التوصيف يعكس مقاربة تقوم على التفريق بين القدرة على الإزعاج التكتيكي وبين القدرة على التأثير الاستراتيجي واسع المدى.
مضيق هرمز… نقطة التوتر الدائمة
منذ اندلاع العملية العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في 28 فبراير، عاد مضيق هرمز إلى واجهة الأحداث باعتباره نقطة حساسة في تجارة الطاقة العالمية.
فهذا الممر البحري يُعد شرياناً رئيسياً لإمدادات النفط والغاز، وأي اضطراب فيه ينعكس فوراً على الأسواق الدولية وأسعار الطاقة.
وفي هذا السياق، تتبادل الأطراف اتهامات وإجراءات مضادة، حيث تتحدث تقارير عن قيود على الملاحة، مقابل إجراءات أمريكية تستهدف الموانئ الإيرانية، ما يزيد من تعقيد المشهد الإقليمي.
التصعيد السياسي يوازي التصعيد العسكري
على المستوى السياسي، يواصل الخطاب الأمريكي التركيز على منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وهو ملف يظل في قلب التوتر القائم بين الجانبين.
وفي هذا الإطار، وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقف إطلاق النار بأنه “معلّق بخيط رفيع”، معتبراً أن بعض المقترحات الإيرانية الأخيرة “غير واقعية”، وفق تعبيره.
كما أشار إلى أن أي تسوية محتملة يجب أن تقوم على ضمان عدم امتلاك إيران للسلاح النووي لفترة طويلة، في إشارة إلى استمرار الخلافات العميقة بين الطرفين رغم الحديث عن مبادرات تفاوضية متقطعة.
بين القوة والردع… مشهد غير محسوم
رغم التصريحات الأمريكية التي تعكس ثقة في تقليص قدرات إيران العسكرية غير التقليدية، فإن طبيعة الصراع في المنطقة تظل معقدة ومفتوحة على احتمالات متعددة.
فالحروب الحديثة لم تعد تقاس فقط بحجم الخسائر المادية، بل بقدرة الأطراف على التأثير غير المباشر عبر أدوات متعددة تشمل الأمن البحري، والطاقة، والتحالفات الإقليمية.
وفي ظل هذا الواقع، يبدو أن المنطقة تعيش مرحلة “ردع متبادل غير مستقر”، حيث لا يمكن لأي طرف حسم المعادلة بشكل نهائي، بينما تبقى المخاطر قائمة على مستويات متعددة.
اقتصاد عالمي تحت ضغط الجغرافيا السياسية
انعكاسات هذا التصعيد لا تتوقف عند حدود الشرق الأوسط، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي الذي يعتمد بشكل كبير على استقرار الممرات البحرية.
فأي اضطراب في مضيق هرمز أو محيطه ينعكس سريعاً على أسعار النفط وسلاسل الإمداد، ما يجعل من هذه المنطقة واحدة من أكثر النقاط حساسية في النظام الدولي المعاصر.
وفي النهاية، يظل المشهد مفتوحاً على تطورات متسارعة، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع السياسية والاقتصادية في معادلة واحدة عنوانها الأساسي: استقرار هش في منطقة شديدة الاشتعال.











