اختتام أشغال الدورة الأولى للمناظرة البحرية الوطنية بطنجة برؤية طموحة لتعزيز السيادة اللوجستية (صور)

بنونة فيصلمنذ 4 ساعاتآخر تحديث :
اختتام أشغال الدورة الأولى للمناظرة البحرية الوطنية بطنجة برؤية طموحة لتعزيز السيادة اللوجستية (صور)

Loading

اختتمت اليوم الجمعة 22 ماي 2026 بطنجة، أشغال المناظرة الوطنية البحرية الأولى، وسط أجواء من التفاؤل والالتزام المشترك، حيث أجمع المشاركون في الجلسة الختامية على أن المملكة تمتلك اليوم كافة المقومات الجيوسياسية والاقتصادية لترسيخ مكانتها كقوة بحرية إقليمية رائدة، وقد توجت هذه التظاهرة الكبرى بتوصيات منبثقة عن النقاشات، ملتزمة بتحويلها إلى دينامية تنفيذية مستدامة وتشاركية، تجمع بين نجاعة الفاعلين العموميين وطموحات المستثمرين، بما يضمن تنزيل الرؤية الملكية السامية الرامية إلى جعل الواجهة الأطلسية منصة للاندماج الإقليمي والسيادة اللوجستية والاقتصاد الأزرق المستدام.

قيوح.. فخر واعتزاز

وفي سياق اختتام الدورة، ألقى وزير النقل واللوجستيك عبد الصمد قيوح، كلمة عبر فيها عن فخره الكبير بالرعاية السامية التي منحها الملك محمد السادس على هذه الدورة التأسيسية الأولى، معتبرا إياها دليلا قاطعا على الاهتمام الملكي البالغ بالقطاع اللوجستي والبحري، كما توقف عند الوقع الخاص والعميق الذي خلفه حضور القوات المسلحة الملكية البحرية في الجلسة الافتتاحية ومواكبتها لطلبة المعهد العالي للدراسات البحرية، مشيرا إلى أن هذه اللوحة السيادية شكلت تكريما معنويا لجميع الفاعلين، ونبراسا يضيء مسار الاشتغال الحكومي والمهني الرامي إلى بلورة مضامين الخطاب الملكي الاستراتيجي لعام 2023.

وأوضح المسؤول الحكومي أن التوصيات الختامية الصادرة عن المناظرة جاءت مستلهمة بشكل كامل من نقاشات المشاركين واقتراحات ذوي الاختصاص والممارسين الذين يواجهون التحديات الميدانية بشكل يومي، منوها بالتزام رجال ونساء الأعمال الذين تفانوا في إغناء الجلسات العلمية والإدارية وتقديم بدائل عملية رغم تزامن اللقاء مع الترتيبات الاجتماعية لعيد الأضحى، معتبرا أن الأفكار القوية المتوصل إليها ستشكل قاعدة بيانات صلبة وقوة اقتراحية فاعلة ومؤثرة لرفعها إلى السدة العالية بالله قصد اتخاذ القرارات التنموية المناسبة.

وقدم المتحدث تشخيصا دقيقا قارن فيه بين أوج الازدهار البحري للمملكة خلال فترة السبعينات بفضل التنسيق اللوجستي لمكتب التصدير وبين التراجع اللاحق الناجم عن الخصخصة والتحولات الاقتصادية، ووضع أمام المؤتمرين السؤال الكبير المتمثل في كيفية إعادة إحياء الأسطول التجاري وجعله مغريا للاستثمارات، مؤكدا أن الرهان الحالي يتطلب وضع نظام مالي تشجيعي وتحفيزي متطور لفائدة المستثمرين الخواص، وتحديث الترسانة القانونية والمؤسساتية لمواكبة البناء المشترك الذي يستلزم سنوات من العمل الدؤوب والتنسيق المتبادل.

وخلص الوزير كلمته بتوجيه دعوة حارة لجميع المتدخلين من أجل الحفاظ على تلاحم “عائلة التجارة والنقل البحري” ومأسسة هذه المناظرة لتصبح بناء مستمرا يضمن تنظيم دورات مقبلة، وأشاد بجهود اللجنة التنظيمية في اختيار مدينة طنجة كمنصة لاحتضان الأشغال، مبرزا الرمزية الجغرافية والتاريخية لعاصمة البوغاز باعتبارها امتدادا طبيعيا للمغرب نحو العالم وبوابة استراتيجية تطل في الآن ذاته على البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، لتختتم الدورة أعمالها وسط طموحات عريضة بريادة بحرية وطنية شاملة ومستدامة.

توصيات المناظرة البحرية

وفي هذا السياق، سيطرت الرغبة في تحديث الهياكل التنظيمية على صدارة التوصيات المنبثقة عن هذا اللقاء الرفيع من خلال الدعوة الصريحة إلى إحداث مجلس وطني أعلى للبحر، إذ يهدف هذا المقترح الطموح إلى خلق هيئة عليا تتولى مهمة التنسيق بين مختلف القطاعات الحكومية وتدبير التشاور المؤسساتي مع الفاعلين في القطاعين العام والخاص، مما يضمن انسجام السياسات العمومية المرتبطة بالمجالات البحرية والساحلية، ويسهم في تسريع وثيرة اتخاذ القرار وتوحيد الرؤى القطاعية لتنزيل استراتيجية بحرية مندمجة ومستدامة.

وحسب التوصيات التي أفرزتها المناظرة، يمر طريق التحديث الجذري عبر تطوير الإطار المؤسساتي والقانوني لمديرية الملاحة التجارية، بما يضمن منحها الاستقلالية المرنة والمرونة العملياتية الضرورية لممارسة اختصاصاتها السيادية بكفاءة عالية، حيث تتكامل هذه الخطوة مع إطلاق مراجعة شاملة لمدونة التجارة البحرية الوطنية بهدف تحقيق ملاءمة دقيقة مع القوانين والاتفاقيات الدولية المعمول بها في هذا الصدد، فضلا عن توفير الوسائل التقنية واللوجستية للتدخل السريع لمساعدة السفن التي تواجه صعوبات طارئة تهدد سلامة الملاحة أو النظم البيئية.

استراتيجية وطنية لبناء أسطول تجاري قوي

أكدت التوصيات على أن قطاع النقل البحري التجاري يحتل مكانة محورية في صياغة المستقبل الاقتصادي للمملكة حيث أجمع المشاركون على ضرورة اعتماد استراتيجية وطنية متكاملة لتطوير أسطول بحري تجاري قوي وتنافسي، وتركيز الجهود الاستثمارية في مرحلة أولى على تطوير سفن نقل المسافرين والنقل المختلط، شريطة أن تدير هذه السفن شركات خاضعة للقانون المغربي، مما يضمن للمملكة حماية مصالحها التجارية الحيوية وتأمين تدفقات السلع والأشخاص عبر خطوط بحرية مستدامة وثابتة.

وتتطلب النهضة البحرية المنشودة توفير بيئة مالية محفزة وقادرة على مواكبة طموحات المستثمرين المغاربة، وهو ما جعل التوصيات تركز على إحداث آلية تمويلية خاصة ومبتكرة توفر الدعم اللازم لاقتناء السفن وتجديدها، وتعتمد هذه الآلية على نظام ضمان عمومي فعال تلتزم فيه الدولة بتغطية جزء من المخاطر الائتمانية لفائدة المؤسسات المالية المواكبة للمشاريع، مما يرفع من منسوب الثقة لدى الأبناك ويشجع الفاعلين الاقتصاديين على الاستثمار الجريء في المنظومة البحرية.

ومن جهة أخرى، يمثل إحداث سجل بحري دولي مغربي رافعة أساسية لمنح المجهزين البحريين إطارا تنافسيا مرنا يحاكي أفضل الممارسات المعمول بها في الدول البحرية الكبرى، ويسهم هذا الإجراء التنظيمي في تحفيز الشركات العالمية على تسجيل سفنها تحت العلم المغربي، ويدعمه نظام جبائي بحري متطور يقوم على تبني آلية الضريبة على الحمولة، مما يقلص تكاليف الاستغلال ويمنح الاقتصاد الوطني ميزة تنافسية إضافية تجعل من العلم المغربي علامة جاذبة لرؤوس الأموال الأجنبية والمحلية.

كما يتوقف النجاح اللوجستي للمملكة على مدى قدرتها على مواكبة الثورة التكنولوجية، وقد دعت التوصيات إلى تسريع الرقمنة الشاملة للمنظومة البحرية عبر نشر الأنظمة الذكية وتسهيل التبادل الآمن للمعطيات بين مختلف المتدخلين، وبموازاة هذا التحول الرقمي تبرز ضرورة تشجيع منظومة صناعية وطنية متخصصة في بناء وإصلاح السفن، مع توجيه الجهود الاستثمارية في البداية نحو خدمات الصيانة والإصلاح وتحويل السفن، مما يتيح خلق فرص شغل جديدة وتوطين المعرفة الصناعية الدقيقة.

سلامة الملاحة وحماية السواحل من المخاطر

وتشكل السلامة البحرية وحماية البيئة ركيزة لا غنى عنها في الرؤية البحرية الجديدة للمملكة، حيث ركزت التوجيهات على تعزيز الإطار القانوني والإجرائي لتدبير مخاطر السفن التائهة أو المنجرفة التي تشكل تهديدا مباشرا للموانئ والساحل، ويترافق هذا التوجه مع نشر تكنولوجيات متقدمة للمراقبة وتطوير مراكز تتبع حركة السفن على طول الواجهتين الأطلسية والمتوسطية للمملكة، بما يضمن السيطرة الكاملة على المجال البحري الوطني وتأمين ممراته الحيوية.

وتلتزم التوصيات بالانخراط الفعال في المجهودات الدولية الرامية إلى الحد من التغيرات المناخية من خلال صياغة خارطة طريق وطنية واضحة لإزالة الكربون من قطاع النقل البحري، وستعمل هذه الخطة على التوفيق بين الالتزامات البيئية الدولية للمملكة والقدرات الاقتصادية والتشغيلية للفاعلين في السوق، مع التركيز على تشجيع استعمال الوقود البديل ورفع مستويات النجاعة الطاقية داخل السفن وفي المنشآت المينائية لضمان نمو اقتصادي أخضر ونظيف.

ويبقى العنصر البشري المؤهل هو المحرك الأساسي لكل هذه الأوراش الكبرى، ولذلك توجت المناظرة أشغالها بالدعوة إلى ثورة تعليمية في قطاع التكوين البحري عبر التوصية بإحداث جامعة بحرية متخصصة بمدينة طنجة، والعمل على إعادة التموضع الاستراتيجي للمعهد العالي للدراسات البحرية ليكون قطبا وطنيا للتميز، ويهدف هذا التوجه العلمي إلى إعداد جيل جديد من المهندسين والأطر العليا القادرة على قيادة التحول الكبير ومواكبة تطلعات المغرب في بناء مستقبل بحري سيادي ومستدام.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: عفوا !!