على المكشوف.. حين يُباع الصوت، لا تسألوا من سرق الوطن!

BENNOUNA MOHAMED YAZIDمنذ 4 ساعاتآخر تحديث :
على المكشوف.. حين يُباع الصوت، لا تسألوا من سرق الوطن!

Loading

بقلم: إبراهيم بلا

أحياناً، لا يحتاج الفساد إلى لصّ يقتحم خزينة الدولة؛ يكفي أن يجد مجتمعاً مستعداً للتصفيق له أو تبرير أفعاله. وهذه حقيقة لا نحب سماعها، خصوصاً عندما تقترب الانتخابات، حيث تتكاثر شعارات النزاهة ومحاربة الفساد وخدمة المواطن، بينما يظل السؤال الأكثر إزعاجاً: هل نريد فعلاً انتخابات نزيهة، أم نريد أن يفوز من يملك المال والنفوذ والقدرة على التأثير؟

فالفساد لا يأتي دائماً من مكتب مسؤول، بل قد يظهر في صورة «هدية» أو «مساعدة» أو «قضاء غرض». وقد يتحول الصوت الانتخابي نفسه إلى سلعة. وعندما يصبح صوت المواطن قابلاً للشراء، لا تعود المسألة مجرد مخالفة انتخابية، بل تصبح مساساً بجوهر الديمقراطية؛ لأن من يشتري طريقه إلى السلطة قد ينظر إلى المنصب باعتباره استثماراً، والاستثمار يبحث بطبيعته عن العائد.

لكن الأخطر من المال الذي يُدفع، هو الثقافة التي تتقبله. فعبارة من قبيل «خذ ما يعطونك وصوّت لمن تريد» تختصر أزمة أخلاقية حقيقية؛ لأننا نشتكي من الفساد عندما يصدر عن الآخرين، ثم نبحث له عن الأعذار عندما يخدم مصالحنا. نرفض المحسوبية، ثم نلجأ إلى الواسطة، ونطالب بالكفاءة، ثم نمنح الأفضلية لمن يملك النفوذ والعلاقات.

وهكذا، لا يعود الفساد مجرد فعل فردي، بل يتحول إلى سلوك يجد من يبرره ويحميه ويمنحه شرعية اجتماعية.

ولهذا، فإن الانتخابات ليست امتحاناً للمرشحين وحدهم، بل هي أيضاً امتحان للمواطن. فالناخب الذي يريد محاسبة المنتخب غداً، عليه أن يسأل اليوم: من يستحق صوتي؟ ماذا قدم؟ ما برنامجه؟ وماذا يستطيع أن ينجز؟

فالصوت الانتخابي ليس مقابلاً لخدمة شخصية أو منفعة مؤقتة، وإنما هو أمانة يفترض أن تُمنح لمن يستحق تمثيل الناس والدفاع عن مصالحهم.

والمشكلة أن ثمن الاختيار الخاطئ لا يظهر بالضرورة في اليوم التالي، بل قد يظهر بعد سنوات، في مشروع متعثر، أو خدمة عمومية ضعيفة، أو فرصة ضائعة، أو شاب كفؤ يجد نفسه خارج المنافسة لأنه لا يملك العلاقات اللازمة.

وعندما يقتنع المواطن بأن الكفاءة وحدها لا تكفي، يبدأ البحث عن الطريق الأقصر والواسطة الأقوى. وهنا تتحول المشكلة من فساد داخل المؤسسات إلى أزمة في ثقافة المجتمع نفسه.

لذلك، لا ينبغي أن تكون المرحلة الانتخابية مجرد موسم للصور والوعود، بل فرصة لاستعادة معنى المسؤولية السياسية. نحن لا نحتاج إلى منتخب يشتري رضا الناس ليوم واحد، وإنما إلى من يدرك أن المنصب تكليف وليس غنيمة، وأن احترام المواطن يكون بالعمل والإنجاز، لا بالهدايا والوعود والمنافع.

وليس كل من يملك المال فاسداً، وليس كل منتخب متورطاً في الفساد. لكن الخطر يبدأ عندما يصبح المال أقوى من البرنامج، والعلاقات أقوى من الكفاءة، والمصلحة الخاصة أقوى من المصلحة العامة.

عندها تتحول الانتخابات من منافسة حول الأفكار والمشاريع إلى صراع حول النفوذ، ويصبح الصوت الحر مهدداً بأن يتحول إلى سلعة.

فالمال قد يشتري حملة انتخابية، وقد يصنع حضوراً مؤقتاً، لكنه عندما يشتري الصوت، فإنه يحاول شراء المستقبل نفسه.

ومن هنا، لا ينبغي أن نسأل فقط: من سرق المال العام؟ بل علينا أيضاً أن نسأل: من ساعده على الوصول؟ من صفق له؟ ومن باع صوته، ثم عاد ليشتكي من النتيجة؟

فالوطن لا يُسرق دائماً من الخزائن؛ أحياناً تبدأ سرقته من مكان أبسط بكثير: صوت يُباع، وضمير يُساوَم، وفساد يُبرَّر.

ومع تراكم هذه السلوكيات، يصبح الفساد أمراً عادياً، والنزاهة استثناءً، والاستحقاق مجرد شعار.

لذلك، لا تَبِع صوتك… فقد تحصل على ثمنه اليوم، لكنك قد تدفع ثمنه غداً من حقك، وكرامتك، ومستقبل مجتمعك.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: عفوا !!