الذكرى الـ28 لوفاة الحسن الثاني.. محطات بارزة في مسار ملك طبع تاريخ المغرب الحديث

بنونة فيصلمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
الذكرى الـ28 لوفاة الحسن الثاني.. محطات بارزة في مسار ملك طبع تاريخ المغرب الحديث

Loading

تحل اليوم الذكرى الثامنة والعشرون لوفاة الملك الحسن الثاني، لتعيد إلى الواجهة مرحلة مهمة من تاريخ المغرب الحديث، امتدت من سنة 1961 إلى سنة 1999، وشهدت تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية ودبلوماسية تركت آثاراً واضحة في مسار المملكة.

وتشكل هذه المناسبة محطة لاستحضار أبرز الأوراش والسياسات التي ارتبطت بعهد الملك الراحل، من تدعيم مؤسسات الدولة وتطوير البنيات الأساسية، إلى قضية الوحدة الترابية، وسياسة السدود، والحضور المغربي في القضايا الإقليمية والدولية.

من تثبيت الدولة إلى بناء الأوراش الكبرى

تولى الحسن الثاني العرش سنة 1961، خلفاً لوالده الملك محمد الخامس، وبدأ عهده في سياق كانت فيه الدولة المغربية حديثة الاستقلال وتواجه تحديات بناء المؤسسات وتعزيز الاستقرار واستكمال بناء هياكل الدولة الحديثة. وتُظهر السجلات الرسمية أن الحسن الثاني تولى أيضاً رئاسة الحكومة في بداية عهده، قبل أن تتطور مؤسسات الحكم والعمل الحكومي خلال العقود اللاحقة.

وخلال هذه المرحلة، ارتبط اسم الملك الراحل بعدد من الأوراش الكبرى التي استهدفت تطوير البنية الاقتصادية والاجتماعية للمملكة، إلى جانب تعزيز حضورها على المستويين الإقليمي والدولي.

المسيرة الخضراء والوحدة الترابية

تظل قضية الوحدة الترابية واحدة من أبرز الملفات التي طبعت عهد الحسن الثاني.

ففي 6 نونبر 1975، أطلق المغرب المسيرة الخضراء، التي شارك فيها مئات الآلاف من المغاربة، وشكلت محطة مفصلية في تاريخ قضية الصحراء. وتستحضر المصادر الرسمية المغربية هذه المسيرة باعتبارها مبادرة سلمية ارتبطت باسترجاع الأقاليم الجنوبية، فيما تواصل المملكة منذ ذلك الحين تقديمها كإحدى أبرز محطات مسار وحدتها الترابية.

كما شهد عهده استرجاع سيدي إفني سنة 1969 ووادي الذهب سنة 1979، وهما حدثان يحضران باستمرار في السرد الرسمي لتاريخ استكمال الوحدة الترابية للمملكة.

سياسة السدود.. رهان مبكر على الأمن المائي

اقتصادياً، ارتبط عهد الحسن الثاني أيضاً بإطلاق مشاريع كبرى في مجال البنية التحتية والمياه، وفي مقدمتها سياسة بناء السدود.

وكان الهدف من هذه السياسة توفير الموارد المائية ودعم النشاط الفلاحي، إلى جانب تأمين حاجيات المدن والقرى من المياه وتعزيز قدرة البلاد على مواجهة فترات الجفاف.

ومع مرور السنوات، أصبحت المنشآت المائية التي أُنجزت خلال تلك المرحلة جزءاً من البنية الأساسية التي يعتمد عليها المغرب في تدبير موارده المائية، خصوصاً في ظل التحديات المتزايدة المرتبطة بندرة المياه والتغيرات المناخية.

الاقتصاد والفلاحة في قلب التحولات

لم تقتصر الأوراش المرتبطة بعهد الحسن الثاني على قطاع المياه، بل شملت أيضاً تطوير القطاع الفلاحي والبنيات الاقتصادية، في محاولة لتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على الاعتماد على موارده الداخلية.

وقد ارتبطت سياسة السدود بدورها بالقطاع الفلاحي، بالنظر إلى الدور الذي لعبته تعبئة الموارد المائية في توسيع الأراضي المسقية ودعم الإنتاج الزراعي.

وبذلك، أصبحت قضية الماء والفلاحة جزءاً من تصور أوسع للتنمية الاقتصادية، وهو ملف ما زال يحتفظ بأهميته في المغرب إلى اليوم.

ملفات اجتماعية ومرحلة تحولات داخلية

شهدت العقود التي حكم فيها الحسن الثاني أيضاً تحولات على المستوى الاجتماعي والمؤسساتي، شملت ملفات الأسرة والمرأة والسكن وحقوق الإنسان والتعددية السياسية.

غير أن قراءة هذه المرحلة تظل مرتبطة بسياقها التاريخي والسياسي الخاص، بما عرفه المغرب آنذاك من توترات وصراعات سياسية وحقوقية، قبل أن تدخل البلاد، خصوصاً خلال التسعينيات، في مرحلة اتسمت بانفتاح سياسي وتطور في الحوار بين الدولة والقوى السياسية.

وكان تعيين عبد الرحمن اليوسفي وزيراً أول سنة 1998 من أبرز محطات هذه المرحلة الانتقالية، قبل وفاة الحسن الثاني في يوليوز 1999 وبداية عهد الملك محمد السادس.

حضور مغربي على الساحة الدولية

على المستوى الخارجي، عمل المغرب خلال عهد الحسن الثاني على تعزيز حضوره في القضايا الإقليمية والدولية، سواء من خلال العلاقات العربية والإفريقية أو عبر المشاركة في الملفات الدولية.

كما ارتبط اسم المغرب في تلك المرحلة بقضايا الشرق الأوسط، وبالعمل الإفريقي، وبالمبادرات المرتبطة بالتعاون الإقليمي والدولي.

وكان المغرب من الدول المؤسسة لمنظمة الوحدة الإفريقية سنة 1963، قبل أن تنسحب المملكة منها سنة 1984، في سياق الخلاف حول قضية الصحراء، وهي محطة تعكس حجم ارتباط السياسة الخارجية المغربية خلال تلك المرحلة بقضية الوحدة الترابية.

إرث تاريخي ما زال حاضراً

بعد وفاة الحسن الثاني في يوليوز 1999، انتقل المغرب إلى عهد جديد مع الملك محمد السادس. ومنذ ذلك الحين، ظل عدد من الأوراش التي ارتبطت بفترة حكم الملك الراحل حاضراً في النقاش العمومي، سواء تعلق الأمر بالماء والبنية التحتية أو بقضية الوحدة الترابية.

كما واصل الخطاب الرسمي استحضار الحسن الثاني باعتباره مهندس المسيرة الخضراء، مع ربط إرث تلك المرحلة بالسياسات والمشاريع التي أطلقت في عهد الملك محمد السادس.

ذكرى تستعيد مرحلة مفصلية من تاريخ المغرب

وتتجاوز الذكرى الثامنة والعشرين لوفاة الحسن الثاني مجرد استحضار شخصية ملكية حكمت المغرب لنحو أربعة عقود، لتشكل مناسبة لقراءة مرحلة تاريخية اتسمت ببناء مؤسسات الدولة، وإطلاق مشاريع استراتيجية، وتحولات سياسية واجتماعية عميقة، إلى جانب ملفات إقليمية ودولية كان لها تأثير مباشر على مسار المملكة.

وبينما تتغير الأولويات والتحديات مع مرور الزمن، تبقى بعض المشاريع والقرارات التي اتخذت خلال تلك المرحلة جزءاً من الذاكرة السياسية والتنموية للمغرب، بما يجعل استحضارها اليوم فرصة لفهم جانب من المسار الذي سلكته المملكة خلال النصف الثاني من القرن العشرين.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: عفوا !!