الهيدروجين الأخضر.. المغرب ومصر أمام اختبار «قابلية التمويل» قبل الانطلاق الفعلي للمشاريع

بنونة فيصلمنذ 60 دقيقةآخر تحديث :
الهيدروجين الأخضر.. المغرب ومصر أمام اختبار «قابلية التمويل» قبل الانطلاق الفعلي للمشاريع

Loading

رغم الطموحات الكبيرة التي يراهن عليها المغرب ومصر لترسيخ موقعهما في سوق الهيدروجين والأمونيا الخضراء، لا يزال أي مشروع في البلدين لم يبلغ بعد مرحلة قرار الاستثمار النهائي، وفق تحليل أعدته منظمة الهيدروجين الأخضر استنادا إلى مقابلات مع بنوك ومؤسسات تمويل ومطورين ومستثمرين وفاعلين حكوميين.

ويخلص التقرير إلى أن العقبة الأساسية لا تكمن بالضرورة في نقص رأس المال أو ارتفاع كلفة التمويل، وإنما في صعوبة ضمان إيرادات مستقبلية واضحة، خصوصا في ظل محدودية عقود الشراء الملزمة، إضافة إلى وصول التمويلات في مرحلة متأخرة مقارنة بالوقت الذي تحتاج فيه المشاريع إلى الدعم لتجاوز مخاطر التطوير الأولى.

عقود الشراء.. الحلقة الأكثر حساسية

ويبرز التقرير أن غياب التزامات شراء طويلة الأمد ووضوح الرؤية بشأن الإيرادات المستقبلية يشكل أحد أبرز العوائق أمام انتقال مشاريع الهيدروجين الأخضر من مرحلة الدراسات إلى الاستثمار الفعلي.

وتزداد أهمية هذه النقطة لأن البنوك والمستثمرين يحتاجون إلى رؤية واضحة بشأن الجهة التي ستشتري الإنتاج والأسعار والعائدات المتوقعة قبل الالتزام بتمويل مشاريع ضخمة وطويلة الأمد.

وبمجرد تأمين قاعدة مستقرة من الإيرادات، يصبح التعامل مع مخاطر أخرى، مثل البناء والبنية التحتية والتكنولوجيا، أكثر قابلية للتقييم والتمويل.

التمويل موجود.. لكن التوقيت يمثل مشكلة

ويشير التحليل إلى مفارقة واضحة في مسار تمويل هذه المشاريع؛ فالمطورون يتحملون في المراحل الأولى تكاليف الدراسات والهندسة والإعداد، بينما تنتظر مؤسسات التمويل التنموي اقتراب المشروع من مرحلة القابلية للتمويل، في حين تشترط البنوك التجارية والمستثمرون وجود إيرادات تعاقدية واضحة.

وبذلك يجد كل طرف نفسه في انتظار تحرك الأطراف الأخرى، وهو ما يؤدي إلى إبطاء الانتقال نحو قرار الاستثمار النهائي.

ويرى التقرير أن التمويلات الميسرة والضمانات وآليات التمويل المختلط يمكن أن تلعب دورا أكبر في المراحل المبكرة، من خلال المنح والمساعدة التقنية وتمويل إعداد المشاريع، بدلا من حصر تدخلها في المراحل التي تصبح فيها المشاريع قريبة من الإغلاق المالي.

المغرب.. استراتيجية طموحة ومسار في طور البناء

بالنسبة إلى المغرب، يشير التقرير إلى أن «عرض المغرب» للهيدروجين الأخضر، الذي أُعلن عنه في مارس 2024، يمنح الوكالة المغربية للطاقة المستدامة دورا محوريا في مواكبة المشاريع إلى غاية قرار الاستثمار النهائي.

ومن بين 47 ترشيحا، تم اختيار سبعة مشاريع وستة مستثمرين، فيما توجد مجموعة من المشاريع في مرحلة إنجاز دراسات الجدوى، بعد توقيع اتفاقيات مرتبطة بالعقار في فبراير 2026.

ويشير التحليل إلى أن مشروع توتال إنرجيز يعد الأكثر تقدما ضمن المشاريع التي تمت دراستها، إلى جانب مشاريع يقودها فاعلون من بينهم أكوا باور وناريفا واتحاد يضم يو إي جي ومجموعة الصين للممرات الثلاثة، إضافة إلى طاقة وسيبسا.

كما يرى التقرير أن البنية التحتية تمثل، في الحالة المغربية، تحديا أقل حدة مقارنة بمصر، بالنظر إلى إدماج مكونات مرتبطة بالموانئ، من بينها ميناء الناظور غرب المتوسط وميناء الداخلة الأطلسي، ضمن التصور العام لتطوير القطاع.

مصر.. البنية التحتية وسعر الصرف يزيدان التعقيد

في مصر، يتحدث التقرير عن أكثر من 20 مذكرة تفاهم مرتبطة بمشاريع الهيدروجين الأخضر منذ سنة 2022، خصوصا في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، لكن غالبية المشاريع لا تزال في مراحل دراسة الجدوى.

وتبرز ضمن التحديات المطروحة مسائل مرتبطة بشبكة الكهرباء ونقل الطاقة وتكاليف استعمال الشبكة، إلى جانب مخاطر سعر الصرف.

ويشير التقرير إلى أن المشاريع التي تحظى بارتباط مباشر بمنشآت صناعية قائمة، أو بدعم حكومي قوي، أو التي يمكن أن تعمل خارج الشبكة، تبدو أكثر قدرة على تجاوز بعض العقبات المرتبطة بالبنية التحتية والتمويل.

نموذج مصري يربط الإنتاج بالطلب

ومن بين النماذج التي يستعرضها التقرير مشروع شركة سكاتك وشركائها في منطقة العين السخنة، الذي يتضمن محللا كهربائيا بقدرة 100 ميغاواط إلى جانب مصنع قائم لإنتاج الأمونيا.

ويستند المشروع إلى وجود مستخدم صناعي للإنتاج، في وقت حصلت فيه شركة فيرتيغلوب على أول صفقة ضمن آلية «H2Global»، لتوريد 397 ألف طن من الأمونيا الخضراء بين 2027 و2033، بما يوفر للمشروع إطارا أوضح للإيرادات المستقبلية.

ويرى التقرير في هذه التجربة مثالا على أهمية أدوات دعم الطلب، عندما تقترن بمشروع وصل أصلا إلى درجة كافية من النضج الفني والاستثماري.

المغرب يراهن على التكامل الصناعي

أما في المغرب، فيبرز التقرير نموذج مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط، التي تجمع بين أدوار المطور والمشتري والمستخدم النهائي للهيدروجين الأخضر ومشتقاته.

وتخطط المجموعة، ضمن برنامج استثماري واسع، لرفع إنتاج الأمونيا الخضراء إلى مليون طن سنويا بحلول 2027، ثم إلى ثلاثة ملايين طن في أفق 2032.

ويمنح هذا النموذج، وفق التحليل، قدرا أكبر من الوضوح بشأن الطلب، مقارنة بالمشاريع التي تعتمد أساسا على التصدير إلى أسواق خارجية لا تزال في طور التشكل.

كما يشير التقرير إلى مشاريع مرتبطة بموقعي طرفاية والجرف الأصفر، في إطار توجه نحو دمج الهيدروجين الأخضر في المنظومة الصناعية الوطنية.

المعادلة الأصعب: من يضمن الطلب؟

ويضع التقرير في صلب النقاش مسألة توزيع الأدوار بين الحكومات والمطورين والممولين والمشترين.

فالمشترون يملكون تأثيرا كبيرا على قابلية المشاريع للتمويل، رغم أن صلاحياتهم التنظيمية محدودة، بينما تمتلك الحكومات قدرة أكبر على توفير الأطر التنظيمية وتحديد أولويات البنية التحتية وتحفيز الطلب.

أما المؤسسات المالية، فتزداد أهميتها كلما اقترب المشروع من مرحلة القابلية للتمويل والإغلاق المالي.

وبين الطموح الاستثماري والحاجة إلى عقود شراء واضحة وتمويل مبكر للمراحل عالية المخاطر، يبدو أن مستقبل مشاريع الهيدروجين الأخضر في المغرب ومصر لن يرتبط فقط بقدرة البلدين على إنتاج الطاقة النظيفة، بل أيضا بقدرتهما على بناء سوق فعلية تضمن للمستثمرين رؤية واضحة بشأن الطلب والإيرادات.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: عفوا !!