استثمارات المناخ بالمغرب.. 140.6 مليار درهم في الواجهة و17 مشروعاً ترسم ملامح التحول الأخضر إلى 2035

بنونة فيصلمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
استثمارات المناخ بالمغرب.. 140.6 مليار درهم في الواجهة و17 مشروعاً ترسم ملامح التحول الأخضر إلى 2035

Loading

في وقت تتزايد فيه تحديات التغيرات المناخية وتتسع الحاجة إلى استثمارات قادرة على حماية الموارد الطبيعية وتعزيز التنمية المستدامة، يخطو المغرب نحو توسيع نطاق رصد الاستثمارات المناخية داخل المؤسسات والمقاولات العمومية، بعدما كشفت حصيلة سنة 2026 عن مشاريع تبلغ قيمتها الإجمالية نحو 155.24 مليار درهم إلى أفق 2030، منها 140.58 مليار درهم مرتبطة بالمناخ.

وتعكس هذه الأرقام اتساع الاهتمام بدمج البعد المناخي في التخطيط الاستثماري للقطاع العام، من خلال مشاريع تستهدف الحد من الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري، وتعزيز قدرة القطاعات الاقتصادية والبنيات التحتية على التكيف مع آثار التغيرات المناخية.

وبالتوازي مع هذه الاستثمارات، يجري إعداد 17 مشروعاً تقودها سبع مؤسسات ومقاولات عمومية، تمهيداً لإدراجها ضمن المساهمة المحددة وطنياً الثالثة للمغرب، في أفق سنة 2035. غير أن استكمال تأهيل هذه المشاريع ونضجها يظل ضرورياً قبل تثبيت مساهمتها النهائية في الالتزامات المناخية للمملكة.

من تجربة محدودة إلى منظومة أوسع لتتبع الاستثمارات

بدأت عملية احتساب الاستثمارات المناخية سنة 2025 كتجربة أولية شملت عشر مؤسسات ومقاولات عمومية، همت مشاريع الفترة الممتدة من 2022 إلى 2024، بكلفة إجمالية قاربت 54 مليار درهم، منها نحو 32 مليار درهم مخصصة للمكونات المرتبطة بالمناخ.

وأظهرت نتائج هذه التجربة أن الاستثمار المناخي يتوزع بين إجراءات تستهدف خفض الانبعاثات، وأخرى ترمي إلى التكيف مع الآثار المناخية، بحصتين متقاربتين بلغتا 51 في المائة للتخفيف و49 في المائة للتكيف. وتركزت المشاريع أساساً في قطاعات الطاقة والماء والصناعة والبنيات التحتية.

وشملت التجربة مؤسسات كبرى، من بينها المكتب الشريف للفوسفاط، والوكالة المغربية للطاقة المستدامة، والمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، والوكالة الوطنية للمياه والغابات، إلى جانب مؤسسات عاملة في النقل والموانئ والتعمير والتمويل.

وقد ساعد هذا العمل الأولي على اختبار منهجية موحدة لجمع المعطيات وتحديد الحصة المناخية داخل كلفة المشاريع، كما أتاح وضع تصور لتوسيع العملية تدريجياً لتشمل عدداً أكبر من المؤسسات العمومية.

140.58 مليار درهم.. كيف تتوزع الاستثمارات المناخية؟

شهدت عملية الرصد خلال سنة 2026 توسعاً ملحوظاً، إذ ارتفع عدد المؤسسات المستهدفة من عشر إلى أربعين مؤسسة ومقاولة عمومية. وقدمت 19 مؤسسة منها معطيات بشأن مشاريع ذات صلة بالمناخ، بمعدل استجابة بلغ 47.5 في المائة.

وبحسب المعطيات المنشورة، تضم هذه الحصيلة 53 مشروعاً، تصل كلفتها الإجمالية إلى 155.24 مليار درهم، تتوزع بين 140.58 مليار درهم للمكون المناخي و14.66 مليار درهم للمكون غير المناخي. وتمثل المؤسسات المعنية نحو 56 في المائة من الاستثمارات التي أنجزها القطاع العام خلال سنة 2025.

وتكشف تفاصيل الغلاف المناخي عن تفاوت واضح بين مجالين رئيسيين:

  • التخفيف من التغيرات المناخية: نحو 107 مليارات درهم، أي ما يقارب 76 في المائة من الاستثمارات المناخية.
  • التكيف مع التغيرات المناخية: حوالي 33 مليار درهم، بما يعادل 24 في المائة.

ويشير هذا التوزيع إلى أن الجزء الأكبر من الاستثمارات المرصودة يرتبط بتدابير الحد من الانبعاثات، بينما تتجه حصة أخرى إلى تعزيز القدرة على مواجهة الآثار المناخية. ويظل تحقيق التوازن بين المجالين مهماً، بالنظر إلى حاجة المغرب إلى تطوير مصادر الطاقة النظيفة، وفي الوقت نفسه حماية موارده المائية ومجالاته الترابية وبنياته الاقتصادية من المخاطر المناخية.

التمويل.. اعتماد كبير على الاقتراض ومساهمات الدولة

إلى جانب حجم الاستثمارات، تبرز طريقة تمويلها باعتبارها أحد العناصر الأساسية في تقييم قدرة المؤسسات العمومية على تنفيذ المشاريع المعلنة.

وتظهر معطيات سنة 2026 أن الاقتراض ومختلف أشكال التمويل بالدين يمثلان نحو 53.78 في المائة من الغلاف المناخي، فيما تصل مساهمات الدولة والمؤسسات العمومية إلى 37.27 في المائة.

أما التمويلات المقدمة من المؤسسات المالية متعددة الأطراف، فتبلغ 4.63 في المائة، مقابل 3.07 في المائة للموارد الذاتية للمؤسسات العمومية. ولا تتجاوز مساهمات الجهات الثنائية المانحة 0.66 في المائة، في حين تمثل الهبات وصناديق المناخ نحو 0.59 في المائة.

ويكشف هذا التوزيع عن اعتماد واضح على الاقتراض والدعم العمومي في تعبئة الموارد اللازمة للمشاريع، مقابل حصة محدودة من التمويلات المناخية والهبات الخارجية. وتبرز هذه المعطيات أهمية تنويع مصادر التمويل، وتحسين شروط تعبئة الموارد، بما يساعد على ضمان استمرارية المشاريع وتخفيف الضغوط المالية المرتبطة بتنفيذها.

وتختلف هذه الصورة عن نتائج التجربة الأولية لسنة 2025، التي اتسمت بتنوع أكبر في مصادر التمويل؛ إذ مثلت الموارد الذاتية 26 في المائة، ومساهمات الدولة والمؤسسات العمومية 17 في المائة، والتمويلات الثنائية 19 في المائة، والتمويلات متعددة الأطراف 27 في المائة، بينما بلغت الديون التجارية وتمويلات التحالفات البنكية 10 في المائة، وصناديق المناخ نحو 1 في المائة.

ولا تعني هذه المقارنة بالضرورة حدوث تحول شامل في تمويل الاستثمارات المناخية بالمغرب، بالنظر إلى اختلاف نطاق المؤسستين المشمولتين في كل مرحلة وطبيعة المشاريع المرصودة، لكنها تبرز أهمية تتبع مصادر التمويل بصورة منتظمة ودقيقة.

17 مشروعاً في أفق 2035.. محطة جديدة في التخطيط المناخي

وبالتوازي مع رصد الاستثمارات إلى أفق 2030، يجري العمل على إعداد 17 مشروعاً تقودها سبع مؤسسات ومقاولات عمومية، بهدف الإسهام في إعداد المساهمة المحددة وطنياً الثالثة للمغرب في أفق 2035.

ويمثل هذا المسار فرصة لربط التخطيط الاستثماري طويل الأمد بالأهداف المناخية للمملكة، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات العمومية والقطاعات المعنية، حتى تصبح المشاريع المقترحة أكثر وضوحاً من حيث أهدافها وكلفتها ونتائجها المنتظرة.

لكن إدراج هذه المشاريع ضمن الالتزامات المناخية يتطلب مواصلة العمل على تحديد طبيعتها بدقة، واستكمال الدراسات المرتبطة بها، وتوضيح احتياجاتها التمويلية ومدى جاهزيتها للتنفيذ. فالإعلان عن المشاريع يشكل خطوة أولى، بينما يظل تحويلها إلى إنجازات ملموسة مرتبطاً بجودة الإعداد والتمويل والقدرة على التنفيذ والتتبع.

توحيد المعايير.. شرط أساسي لقياس الأثر الحقيقي

من أبرز التحديات التي واجهت عملية احتساب الاستثمارات المناخية غياب تصنيف وطني موحد يحدد بصورة دقيقة طبيعة المشاريع المناخية ونسبة مساهمتها في التخفيف أو التكيف.

ولمعالجة هذا الجانب، جرى تكييف مؤشرات ريو المعتمدة لدى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مع خصوصيات المؤسسات والمقاولات العمومية المغربية. وتعتمد المنهجية على تقييم أهمية الهدف المناخي في كل مشروع، سواء أكان هدفاً رئيسياً أو مهماً ضمن أهداف أخرى أو غير مستهدف، ثم تقدير النسبة التي تسهم بها مكوناته في تحقيق نتائج مناخية.

وتتيح هذه المقاربة التمييز بين الكلفة الإجمالية للمشروع والمبلغ الذي يمكن احتسابه ضمن الاستثمار المناخي، وهو أمر ضروري لتفادي المبالغة في تقدير الموارد الموجهة للعمل المناخي، وتحسين جودة التقارير وتسهيل المقارنة بين المؤسسات والقطاعات.

كما يساعد توحيد أدوات جمع المعطيات وتطوير الشفافية في توفير صورة أوضح عن حجم الجهود المبذولة، وعن المجالات التي تحتاج إلى مزيد من الاستثمار أو إلى تحسين في التخطيط والتنفيذ.

الرهان يتجاوز الأرقام إلى نتائج ملموسة

تعكس الأرقام المعلنة اتساع نطاق العمل على إدماج البعد المناخي في استثمارات القطاع العام، لكنها تطرح في الوقت نفسه أسئلة عملية بشأن سرعة تنفيذ المشاريع، ومصادر تمويلها، وقدرتها على تحقيق نتائج قابلة للقياس على أرض الواقع.

فأهمية الاستثمار المناخي لا تقاس بحجمه المالي وحده، بل أيضاً بما يحققه من خفض للانبعاثات، وتحسين لكفاءة استخدام الطاقة والماء، وحماية للبنيات التحتية، وتعزيز لقدرة السكان والأنشطة الاقتصادية على مواجهة المخاطر المناخية.

ومن هذا المنطلق، يشكل توسيع عملية رصد الاستثمارات خطوة مهمة نحو تخطيط أكثر وضوحاً ومساءلة أكبر بشأن استخدام الموارد. ويبقى التحدي في المرحلة المقبلة هو الانتقال من احتساب المشاريع وتحديد كلفتها إلى تتبع تنفيذها وقياس أثرها، بما يجعل الاستثمار العمومي أداة فعالة لحماية البيئة ودعم الاقتصاد وتحسين جودة الحياة للأجيال الحالية والمقبلة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: عفوا !!