![]()
في عالمٍ يزداد اضطراباً وتناحراً، يتشبث كثيرون بحلم مثالي يرى فيه كل حالم أن الخير سيعمّ فجأة، وأن الله سيعاقب الظالمين بزلزال خارق أو معجزة سماوية او يسلط بعضهم على بعض في تصور ينصف فيه الأبرياء ويعاد ميزان العدالة من تلقاء ذاته، غير مدركين أن التاريخ لا يتحرك بالأمنيات، وأن السنن الكونية لا تتغير بالعواطف.
في هذا السياق تأتي مقولة عمرو بن العاص: “ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشر، ولكنه الذي يعرف خير الشرين“، لتشكل صفعة فكرية لأولئك الذين يظنون أن الحياة يمكن أن تُختزل في معادلة واضحة بين الأبيض والأسود. فالعقل، كما يقول عمرو، لا يتمثل في التمييز النظري بين الخير والشر، بل في القدرة العملية على اختيار الأقل شراً حين تغيب الخيارات المثالية، وهي مهارة تتطلب فهماً عميقاً للواقع، لا مجرد أخلاق مشتهاة فوق السحاب.
هذه المقولة ليست تبريراً للشر، بل إدراكاً أن المثالية المطلقة في عالم تسوده الحروب والأنظمة القمعية واللامبالاة الأخلاقية ليست سوى وهم جميل. فالشرّ لا يُزاح دائماً بالخير، بل أحياناً بأقلّ منه شراً، والعدل لا ينتصر في خطبة، بل في توازنات قوة يصنعها الوعي والعمل، لا الدعاء فقط. الله لا يعاقب الظالمين دائماً بملائكة، بل ربما يسلط عليهم ظالمين آخرين أكثر بطشاً، لأنه لا يُغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
وفي هذا الفضاء المعقد، تبرز حكمة عمرو بن العاص كمرآة تعكس واقعاً لا يمكن حصره بين الأبيض والأسود؛ فالحياة، بكل تفرعاتها وتشعباتها، تفرض على الإنسان أن يدرك أن بين النقيضين مساحات رمادية تتطلب البصيرة، لا التسرع، والحكمة، لا العاطفة. هذا الإدراك يدفعنا إلى تبني “فقه الأولويات”، حيث لا يكفي أن نعرف الحق من الباطل، بل يجب أن نعرف ما هو أولى بالتحقيق، وأوجب بالبدء، وأخطر بالإهمال.
حين قال عمرو بن العاص: “ليس الواصل الذي يصل من وصله، ولكنه الذي يصل من قطعه”، لم يكن فقط يكرّس مبدأ الصبر في العلاقات الإنسانية، بل كان يضع معياراً جديداً للفضل، يتجاوز المعاملة بالمثل نحو المبادرة بالأخلاق رغم الجفاء. وكذلك حين أقر بأن إفشاء سره لصديقه لا يمنح له حقاً باللوم إن أذاعه، كان يؤكد مبدأ تحمل المسؤولية الذاتية وعدم تعليق أخطائنا على شماعة الآخرين، مظهراً بذلك وعياً ذاتياً عميقاً يندر أن نجده في زمننا.
أما قوله: “الموت في ألف من علية القوم أهون من موت واحد من السفلة”، فقد يبدو ظاهرياً مشحوناً بطبقية حادة، لكنه في عمقه يعكس منظوراً سياسياً واقعياً يرى أن فقدان صوت الجماهير أخطر من فقدان النخبة، لأن القوة الحقيقية لا تكمن في القوة و السلطة بل في القواعد التي تسندها.
حكمة عمرو بن العاص ليست وصايا جامدة، بل رؤى مرنة تستفز العقل وتدعو للتفكير، لا للحفظ، وللتأمل في تشابك الخير والشر، لا الفصل بينهما بخط مستقيم؛ وهي دعوة واقعية للتصرف بذكاء في عالم لا يعترف بالرغبات، بل بالاختيارات الصعبة











