![]()
الاحتجاج حق مشروع يكفله الدستور والقانون، وهو وسيلة للتعبير عن الرأي والمطالبة بالحقوق. لكن ما شهدناه ليلة أمس من أعمال عنف وتخريب، يطرح سؤالا جوهريا: هل هذه صور احتجاج أم انزلاق نحو الفوضى؟
سرقة المحلات التجارية أو الاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة أفعال مجرمة، لا يمكن تبريرها بأي قضية كانت. لكن في المقابل، اختزال النقاش في هذه التجاوزات، والسكوت عن جذور الأزمة، هو نوع من التهرب من المسؤولية.
ما وقع ليس حدثا منعزلا، بل هو نتيجة تراكمات عميقة في مجالات التعليم، الإعلام، السياسات العمومية، والقيم الاجتماعية. جيل كامل خرج إلى الشارع مثقلا بخيبات لم تصحح منذ عقود.
في المدرسة، يواجه الشباب مناهج لا تهيئهم لمستقبل مهني أو مواطنة فعالة، وسط اكتظاظ ونقص في الموارد، مما يجعلهم أرقاما في منظومة متعثرة. في الإعلام، يجدون أنفسهم محاصرين بثقافة السطحية وبرامج الشهرة السريعة، مع تغييب للبرامج الهادفة والثقافية. وفي الأسرة، أثرت السياسات الاجتماعية والقوانين المتسرعة على الروابط العائلية، فزاد التفكك وضاع التواصل بين الأجيال. حتى في المساجد، تغيب الخطاب الديني العميق لصالح خطب رسمية مكررة.
أما العدالة، فقد تركت لدى الجيل إحساسا باللاجدوى: حقوق تستنزف، وكرامة على المحك، وقوانين غالبا ما توظف ضده بدل أن تحميه.
الاحتجاج السلمي هو قوة ضغط حضارية، تدفع نحو الإصلاح. أما التخريب فهو انزلاق خطر يفتح الباب للتعامل الأمني، ويبدد الدعم الشعبي للمطالب، ويحولها إلى مشاهد عنف لا تعكس الهدف الحقيقي. تحميل الشباب وحده المسؤولية عن ما حدث، أشبه بلوم المرآة لأنها كشفت التجاعيد. الحقيقة أن ما نشهده هو حصيلة منظومة لم تفِ بوعودها ولم توفر شروط العيش الكريم ولا بناء الإنسان.
من هنا، يجب إعادة طرح السؤال الجوهري: أي مغرب نريد أن نترك للأجيال القادمة؟ وأي منظومة تعليمية، إعلامية، أسرية، دينية، وعدلية، قادرة على صناعة مواطن حر، مسؤول، ومؤمن بوطنه؟
صور ليلة أمس ليست مجرد مشاهد عابرة، بل جرس إنذار. نعم للاحتجاج، لا للتخريب. لأن البناء الحقيقي للوطن يتم بالحوار المسؤول، والتغيير البناء، لا بالدمار الذي يفرغ الصوت المطالب من معناه.











