![]()
بقلم بشرى مبكير. قراءة في “مسرحية لافاش.
في عرضها الأول على خشبة مسرح محمد الخامس بالرباط، استطاعت مسرحية “لاڤاش” للمؤلف “عبدو جلال”، ومن إخراج الفنان “عبد الكبير الركاكنة”، أن تشعل تفاعلا استثنائيا مع جمهور متنوع من عشاق الفن المسرحي، ووجوه ثقافية وإعلامية بارزة، بحيث لم يكن الحضور لمجرد مشاهدة عمل فني، بل انخراطا في تجربة جماعية جمعت بين الفرجة الهادفة والتفكير، وبين الكوميديا السوداء والوعي بالقضايا التي يطرحها النص المسرحي، في عمل متجانس ومتكامل جعل منه منبرا للحوار حول التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي يعيشها المغرب اليوم.
“لافاش” الرمز الذي يكشف المستور
النص الذي كتبه عبده جلال وأخرجه الركاكنة، يجمع بين الكوميديا السوداء والدراما الاجتماعية، مستعملا رمز “لافاش” — البقرة — ليعكس واقعا اجتماعيا متشابكا، فالبقرة هنا ليست مجرد كائن ساخر في النص، بل رمز للزيف والخداع والتسلط الذي يختبئ خلف الشعارات البراقة والرنانة، (الشجرة التي تخفي الغابة)، كما يقال، وخلف السخرية والتهكم من القضايا التي يطرحها النص، بحيث يكشف العمل تناقضات مجتمع يبحث عن التغيير وسط منظومة تستهلك أحلام شبابه.
”المحقق فؤاد”.. صراع بين القلب والعدالة
تألق الفنان القدير عبد الكبير الركاكنة في تجسيد شخصية ”المحقق فؤاد”، هذه الشخصية المعقدة المتناقضة، مقدما دورا سيظل عالقا في ذاكرة الجمهور، بحيث أن هذا الدور ليس مجرد أداء بوليسي، بل هو استعراض عميق للصراع الإنساني بين الواجب المهني القاسي والانهيارات العاطفية الشخصية، (محقق بقلب مكسور).
يرتدي الركاكنة في هذا العمل المسرحي قبعة المحقق “فؤاد”، الرجل الذي كرس حياته لخدمة القانون وكشف الحقائق، لكن خلف نظراته الثاقبة وحزمه المهني، يكمن قلب محطم، وإنسان مثقل بالديون، فؤاد يجد نفسه ممزقا بين شغفه المهني وبين جرح عاطفي عميق سببه قرار حبيبته هجرانه في هذا الوقت بالذات.

هذا التناقض بين “الرجل المكلوم” و “المحقق الصارم” هو ما منح الشخصية عمقا استثنائيا، فقد أبدع الركاكنة في إظهار كيف يمكن للألم الشخصي أن يكون دافعا، أو ربما عبئا، أثناء ملاحقة العدالة، مقدما للمشاهد جرعة مكثفة من التراجيديا الإنسانية. الجانب الآخر من هذا الصراع يتجلى في مهمة فؤاد لمواجهة نفوذ “الحاج الباعوضي”، الذي يمثل نموذجا للسلطة المادية الفاسدة التي تسعى لشراء الذمم وتشويه الحقائق بمالها ونفوذها، وهنا يصبح المحقق فؤاد في هذه الحالة ليس مجرد رجل قانون، بل المقاوم الوحيد الذي يقف في وجه طغيان المادة على المبادئ،
ويتمحور الأداء هنا على إبراز التحديات النفسية والعملية التي تواجه فؤاد في سعيه لإظهار الحقيقة، فالصراع ضد الباعوضي ليس فقط حول جريمة معينة، بل هو صراع رمزي بين العدالة المجردة والفساد المنظم، وهي ثنائية تلامس صميم القضايا الاجتماعية التي يعيشها المواطن المغربي خاصة، والعربي عموما.
“بناقص الخماس”.. صرخة جيل Z
من بين الشخصيات التي خطفت الأضواء بأداءها العفوي، برز أداء الفنان “بوشعيب العمراني” في دور “بناقص الخماس”، الشخصية التي جسدت بعمق صوت الجيل الجديد “جيل Z” رغم فارق السن، الجيل الذي لا يرضى بالانتظار الطويل ولا بالصمت، بحيث يجسد “بناقص الخماس” ذاك الشاب المثقف المهمش، الذي عاندته الظروف رغم أنه حاصول على شهادة في مساره الدراسي الذي توقف نتيجة للظروف المعيشية الهشة التي يعيشها، بحيث صار يعيش على الهامش بعدما أُقصي من فرص الارتقاء الاجتماعي، رغم وعيه ونشاطه النقابي السابق في أثناء عمله في “المرسى”.
في كل مشهد، يعبر عن غضبه وسخريته من واقع لا يمنحه سوى الفتات، وعن طموحه لكرامة وعدالة ومساواة حقيقية، بأسلوب ساخر قريب من لغة الشارع، استطاع “بوشعيب العمراني” أن يحول الشخصية إلى مرآة للجيل الجديد، جيل يرفض الإقصاء ويريد أن يسمع صوته.

“رحمة” تجسيد مؤثر لمعاناة المرأة
أبدعت الفنانة “هند ظافر” في أدائها لشخصية “رحمة”، الشابة التي وجدت أحلامها تتكسر فوق صخرة البطالة والعوز والحاجة، في مشاهد درامية مؤثرة تجسد قسوة الواقع الاجتماعي الذي تعيشه فئة واسعة من الشباب.
“رحمة” التي اختارت البقاء في قريتها الصغيرة، تقع ضحية للاستغلال الجنسي من طرف الحاج الباعوضي، الرجل النافذ الذي استغل هشاشتها وظروفها الصعبة، قبل أن يتنكر لها، ولما في بطنها، وينكر معرفته بها، هذا الصراع بين الضعف الإنساني وسطوة المال والسلطة شكل محورا قويا في تداخلات هذا الدور الممزق بين الواجب والحلم.
وقد لاقت الفنانة “هند ظافر” إشادة واسعة من الجمهور، لما أبانت عنه من صدق في التعبير وغنى في الأداء، حيث نقلت معاناة “رحمة” بعمق إنساني كبير، جعل المتفرج يتماهى مع قصتها ويشعر بمرارة الظلم الذي لحق بها، بالاضافة إلى تسليطا الضوء على قضايا حساسة كالفقر والهشاشة الاجتماعية واستغلال النساء، بأسلوب فني راق، وبعد إنساني صادق، يلامس الوجدان ويدعو إلى التفكير الجماعي في إيجاد حلول حقيقية لهذه الإشكالات.

الحاج الباعوضي.. وجه لعملة الاستغلال والتسلط
أبهر الفنان “عبدو جلال” الجمهور بأدائه الجيد في دور “الحاج الباعوضي”، الشخصية التي شكلت أحد الأعمدة الدرامية الأساسية في العرض المسرحي، فقد جسد “جلال” شخصية رجل متسلط ومتغول، لا يتردد في استغلال ضعف الآخرين لتحقيق مصالحه الخاصة، متقنا لعبة السلطة بأسلوب مموه خلف قناع من العلياء الزائفة والمكانة الاجتماعية الخادعة.

منذ اللحظة الأولى لظهوره على الخشبة، فرض “الحاج الباعوضي” حضوره الطاغي على مجريات الأحداث، حيث استخدم الفنان “عبدو جلال” لغة جسد مدروسة ونبرة صوت محسوبة بعناية، مكنته من إيصال تعقيدات الشخصية إلى المتفرج بسهولة وعمق، كان حضوره مزيجا بين الحزم الظاهر والمكر الخفي، ما جعل الجمهور يتابع تصاعد سلوكه بانتباه وترقب.
ويحسب لعبدو جلال قدرته على ملامسة البعد النفسي للشخصية، إذ لم يقدم الباعوضي بوصفه مجرد شرير تقليدي، بل جعله نموذجا لشخصيات اجتماعية حقيقية تستغل حاجة الضعفاء وتختبئ وراء سلطة المال والنفوذ، هذا الأداء المركب أضفى على العرض بعدا إنسانيا واجتماعيا قويا، وساهم في إيصال الرسالة المسرحية بوضوح وجرأة، بعدما تميز به من قوة الإقناع، وصدق التعبير، والسيطرة التامة على تفاصيل الشخصية.
إخراج ذكي في ملأ الركح.. غني في الدلالة
اختار المخرج “عبد الكبير الركاكنة” إخراجا بصريا متكاملا، وفضاء خاليا من الديكور والأكسسوارات دلالة على الفراغ الذي تعيشه كل الشخصيات المؤثثة للركح، واكتفى بكرسي التحقيق، لما له من دلالة نفسية، (السلطة والتحقيق)، ليمنح الفعل المسرحي والممثلين المساحة الكاملة للتعبير، والاعتماد الشبه كلي على الإضاءة المسرحية، التي وصفها المخرج بأنها “الممثل الخامس”، والتي لعبت دورا محوريا في بناء المعنى، حيث تحولت من عنصر تقني إلى لغة موازية تكشف عن التوترات النفسية والاجتماعية للشخصيات، هذا البعد الجمالي زاد من قوة الرسائل، وحول الخشبة إلى فضاء للتفكير والتأمل، لا للفرجة فقط، مع الاشتغال على الانسجام الجماعي بين الممثلين وباقي الملحقات البصرية.
ما بين النقد والاحتفاء
مسرحية “لاڤاش” ليست عملا ترفيهيا، بل بيانا فنيا يسائل الواقع المغربي بعين فاحصة، في زمن يتسارع فيه كل شيء، يعيد العمل التذكير بأن المسرح ما يزال قادرا على إثارة النقاش وتشكيل الوعي، وممارسة الوعي ووعي الممارسة، والجمهور لم يكتف بالتصفيق، بل تفاعل وجدانيا مع القضايا المطروحة، خاصة الشباب الذين وجدوا في شخصية “بناقص الخماس” و “رحمة” امتدادا لهم ولأسئلتهم القلقة حول المستقبل.
خاتمة: المسرح كأداة مقاومة ناعمة
بـ”لاڤاش”، يعيد الفنان “عبد الكبير الركاكنة” وفريق مسرح الحال، التأكيد على أن المسرح المغربي لا يزال قادرا على التجدد، وعلى أن الفن حين يرتبط بالواقع يصبح فعل مقاومة ناعمة ضد التهميش واللامبالاة. العمل لا يقدم أجوبة جاهزة، بل يدعو للتأمل والسؤال، ويمنح الكلمة لمن اعتاد أن يصمت صوته.
“لافاش” ليست فقط عرضا ناجحا، بل صرخة جمالية تعري الواقع وتحتفي بالوعي، وتؤكد أن شخصيات هذا العمل قررت أن لا تعيش في الظل، بل تطالب بأن تكون جزء من المشهد على الخشبة كما في الحياة.
نهاية مفتوحة على الأمل والسؤال
تنتهي “لاڤاش” كما بدأت، بلا أجوبة جاهزة ولا حلول سحرية، بل بمرآة تعكس واقعا يتأرجح بين الأمل والخيبة، حيث في عمق السخرية تكمن دعوة للتفكير، وفي ضحكات وتفاعل الجمهور رسالة خفية بأن المسرح ما يزال قادرا على تحريك الأسئلة الكبرى.
إنها ليست نهاية عرض فحسب، بل بداية لحوار جديد بين جيل يبحث عن ذاته، ومجتمع يتغير ببطء، وبهذا تثبت “لاڤاش” أن المسرح حين يصدق في طرح قضايا المجتمع يصبح أكثر من فن للفرجة… إنه فن للحياة.”











