كلمة السيد محمد الحبيب بلكوش المندوب الوزاري بمناسبة انعقاد ورشة التفكير الدولية

بنونة فيصلمنذ 6 ساعاتآخر تحديث :
كلمة السيد محمد الحبيب بلكوش المندوب الوزاري بمناسبة انعقاد ورشة التفكير الدولية

Loading

متابعة: عصام شوقي من الرباط

السيد رئيس مجلس حقوق الإنسان، حضرات السيدات والسادة السفراء، حضرات السيدات والسادة ممثلي وكالات الأمم المتحدة والمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، حضرات السيدات والسادة الخبراء، شركاءنا الأعزاء.

الحضور الكريم
إنه لمن دواعي سروري أن أرحب بكم اليوم في الرباط، بمناسبة انعقاد هذه الورشة الدولية للتفكير، المخصصة لتقييم آلية الاستعراض الدوري الشامل، والتي تنظم بشكل مشترك بين المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان بالمملكة المغربية، ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، ومنظمة “يو بي آر إنفو” (UPR Info).
إن هذه المبادرة تجسد بالملموس جودة الشراكة القائمة بين المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان، ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، ومختلف الفاعلين المنخرطين في النهوض بحقوق الإنسان وحمايتها. كما تعكس قناعتنا المشتركة بأن الحوار والتعاون وتقاسم الممارسات الفضلى تظل شروطاً جوهرية لتعزيز أثر الآليات الدولية لحقوق الإنسان.
وأود أن أعرب عن خالص شكري لكافة شركائنا على التزامهم المستمر بدعم هذه الآلية الفريدة ضمن النظام الدولي لحقوق الإنسان، وعلى مساهمتهم القيمة في تنظيم هذه الورشة الدولية للتفكير. التي يكتسي انعقادها دلالة خاصة، إذ تأتي في لحظة مفصلية يستعد فيها المجتمع الدولي للاحتفاء بالذكرى العشرين لإحداث آلية الاستعراض الدوري الشامل، مع اختتام أشغال جولتها الرابعة.
فبعد عشرين سنة على إطلاقها، أثبتت آلية الاستعراض الدوري الشامل أنها تشكل إحدى أهم الابتكارات المؤسساتية في منظومة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. فبفضل طابعها الشمولي، ونهجها القائم على الحوار بين النظراء، وطبيعتها التعاونية، وانفتاحها على كافة الأطراف المعنية، استطاعت هذه الآلية أن تحظى تدريجياً بثقة الدول، لتصبح فضاءً متميزاً لتبادل التجارب، وتقاسم الممارسات الجيدة، والنهوض بالإصلاحات وتعزيزها.
لقد ساهم الاستعراض الدوري الشامل، على مرّ الجولات السابقة، في ترسيخ ثقافة التقييم والشفافية والمساءلة. كما شجع العديد من الدول على الانخراط في إصلاحات تشريعية ومؤسساتية، والانضمام إلى صكوك دولية جديدة، وتطوير آلياتها الوطنية للتتبع، وتوسيع مشاركة مختلف الفاعلين الوطنيين في المسارات المرتبطة بحقوق الإنسان.
بيد أن هذه الذكرى لا ينبغي أن تكون مجرد مناسبة للاحتفاء، بل يجب أن تشكل فرصة للتفكير الجماعي في المكتسبات المحققة، والتحديات القائمة، وآفاق تطوير الآلية لتستجيب بشكل أفضل لتطلعات الشعوب وتحولات العالم المعاصر.
فإذا كانت آلية الاستعراض الدوري الشامل قد أثبتت وجاهتها ومرونتها، فإن التجربة المتراكمة خلال الجولات الأربع تظهر أيضاً أن التحدي الحقيقي يظل كامناً في التنفيذ الفعلي للتوصيات، وترجمتها إلى تحسينات ملموسة في الحياة اليومية للمواطنين. وهو طموح يقتضي مواصلة الجهود الرامية إلى ترسيخ التملك الوطني للمسار من قبل كافة الأطراف المعنية.
أكيد أن للحكومات دورا محوريا، غير أن التجربة أبرزت أن النتائج الأكثر استدامة هي التي تتحقق عندما تضطلع جميع المؤسسات المعنية بكامل دورها في جميع مراحل المسار، بدءاً من صياغة الالتزامات وصولاً إلى تتبع تنفيذها.
كما تشكل فعلية حقوق الإنسان شرطاً أساسياً لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وبناء مجتمعات أكثر إدماجا وصموداً وازدهاراً. وفي هذا الصدد، يبرز الاستعراض الدوري الشامل كأداة متميزة لتعزيز الانسجام بين الالتزامات الدولية للدول والسياسات العمومية المعتمدة في خدمة التنمية البشرية.
حضرات السيدات والسادة،
تولي المملكة المغربية أهمية خاصة لهذه الدينامية.
وبفضل القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، أيده الله، تمكنت بلادنا من تعزيز دولة القانون، وتوطيد منظومة حقوق الإنسان، وتوسيع فضاءات المشاركة المواطنة، كتوجهات استراتيجية ثابتة وراسخة.
لقد باشرت المملكة المغربية، خلال العشرين سنة الماضية، إصلاحات مهيكلة ساهمت في تعزيز إدماج حقوق الإنسان في المؤسسات، والسياسات العمومية والإطار المعياري الوطني.
وقد تُرجم هذا المسار، على وجه الخصوص، من خلال تعميق التجربة المغربية في العدالة الانتقالية عبر تنفيذ توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، واعتماد دستور 2011 الذي كرس مجموعة واسعة من الحقوق والحريات، والإصلاحات المتتالية الرامية إلى النهوض بالمساواة وتعزيز مكانة المرأة داخل المجتمع والأسرة، والاعتراف بالتنوع الثقافي كمكون أساسي للهوية الوطنية، فضلاً عن الإدماج المتزايد لحقوق الإنسان في التوجهات الاستراتيجية للتنمية بالمملكة، خاصة من خلال النموذج التنموي الجديد.
وفي هذا السياق، لا يعتبر المغرب الاستعراض الدوري الشامل مجرد آلية دولية للتقييم، بل أيضا، رافعة للتحسين المستمر للعمل العمومي وأداة لمواكبة الإصلاحات الوطنية.
وقد قادت هذه القناعة بلادنا إلى بلورة تدريجية لمقاربة مؤسساتية مندمجة، تقوم على التنسيق والتشاور وتتبع التوصيات الصادرة عن الآليات الدولية لحقوق الإنسان.
وفي هذا الإطار، شكل إحداث المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان تجسيداً لمقاربة وطنية رائدة تهدف إلى تعزيز تنسيق السياسات العمومية في مجال حقوق الإنسان وضمان تفاعل المملكة مع الآليات الدولية ذات الصلة. وتضطلع المندوبية اليوم، بصفتها الآلية الوطنية للتنفيذ وإعداد التقارير والتتبع، بدور محوري في تنسيق جهود مختلف الفاعلين المعنيين، وتعزيز التكامل فيما بينهم بما يكفل الوفاء الفعلي بالتزامات المملكة الدولية في مجال حقوق الإنسان.
كما تندرج هذه التجربة ضمن توجه دولي متنامٍ أفضى إلى اعتراف مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بأهمية الآليات الوطنية للتنفيذ وإعداد التقارير والتتبع والنهوض بها، باعتبارها رافعة أساسية لتعزيز فعلية التوصيات الدولية.
ويؤمن المغرب بأن تعزيز الآليات الوطنية للتنفيذ وإعداد التقارير والتتبع يُعدّ من أبرز التطورات البنيوية التي عرفها النظام الدولي لحقوق الإنسان خلال السنوات الأخيرة. فالتجربة المكتسبة في هذا المجال، إلى جانب ديناميات التعاون التي تم تطويرها داخل الشبكة الدولية للآليات الوطنية للتنفيذ وإعداد التقارير والتتبع، تبرهن على أن جودة التنسيق الوطني وتتبع التوصيات يظلان من العوامل الحاسمة في إحداث الأثر الفعلي لهذه التوصيات على السياسات العمومية وعلى حياة المواطنين.
ونحن ملتزمون بالاستمرار في دعم هذه الدينامية وتطويرها خصوصا بمناسبة اللقاء المقبل للشبكة الذي ستحتضنه المملكة المغربية خلال عام 2027.
لقد علمتنا تجربتنا أن آلية التتبع الفعالة لا تقتصر على إعداد التقارير الدورية فحسب، بل ينبغي أن تُمكّن من إرساء صلة دائمة بين التوصيات الدولية والسياسات العمومية الوطنية، وأن تساهم في تعزيز تقييم التقدم المحرز، وكذا تحديد التحديات التي تستدعي مزيداً من العمل.
ولا شك أن هذه المقاربة تتماشى بشكل تام مع الأفكار التي ستكون في صلب أشغالنا على مدى اليومين المقبلين.
كما تدعونا هذه المقاربة إلى التفكير في سبل تعبئة الأدوات الرقمية والابتكارات التكنولوجية بشكل أمثل لتحسين تتبع التوصيات، وتدبير المعلومات، وتقييم النتائج، مع ضمان احترام المبادئ الأخلاقية والحقوق الأساسية.
وتذكرنا، من جهة أخرى، بأهمية التعاون الدولي، وبناء القدرات، وتبادل التجارب بين الدول، وخاصة في إطار التعاون جنوب-جنوب والشبكات الإقليمية والدولية.

حضرات السيدات والسادة،
إن اختيار المملكة المغربية لاحتضان هذه الورشة الدولية للتفكير يعكس الثقة الموضوعة في بلادنا كفضاء للحوار والتشاور والبحث عن حلول مشتركة في خدمة النهوض الشامل بحقوق الإنسان.
كما يشهد على الإرادة السياسية الراسخة للمملكة، بفضل الرؤية السامية السديدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، لدعم المبادرات النوعية الرامية إلى تعزيز فعالية، ووجاهة وتأثير الآليات الأممية لحقوق الإنسان.
وهو يعكس الاهتمام المتزايد بالتجارب الوطنية القادرة على المساهمة في التحسين المستمر للآليات الدولية لحماية حقوق الإنسان والنهوض بها.
كما أن تنوع المشاركين في هذا اللقاء يشكل أحد مكامن قوته الرئيسية. وإنني على يقين أن تعدد التجارب الممثلة، وتكامل الخبرات، وحرية النقاش، ستتيح تحديد مسارات مبتكرة وواقعية لتعزيز نجاعة ومصداقية آلية الاستعراض الدوري الشامل وتأثيرها.
لأن تعزيز هذه الآلية ليس غاية في حد ذاته، بل يندرج ضمن طموح أوسع يتمثل في جعل حقوق الإنسان واقعاً معاشاً للجميع، وفي كل مكان، دون تمييز.
وختاماً، أتمنى أن تساهم النقاشات التي سنستهلها اليوم في إغناء التفكير في مرحلة ما بين الجولات، وفي بلورة مقترحات ملموسة من شأنها مواكبة التطور المستقبلي للاستعراض الدوري الشامل.
شكراً على حسن إصغائكم، وأتمنى لكم أشغالاً مثمرة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: عفوا !!