![]()
بقلم: لطيفة بنعاشير
في مدينة القنيطرة، يجري الاستعداد لافتتاح مستشفى جديد للأمراض العقلية والنفسية. لم يُفتتح بعد، لكن النقاش يجب أن يُفتح الآن، قبل أي قصّ للشريط الرسمي. السؤال الأهم ليس كم ستكلف الافتتاح أو كيف ستزين الجدران، بل: هل نداوي الجدران أم نداوي الثقافة؟
المرض النفسي لم يعد حالة هامشية أو نادرة. هو واقع يومي داخل أقسام المستعجلات، حيث تتداخل الأعراض العضوية مع الانهيارات النفسية، وحيث يحتاج المريض إلى تقييم دقيق قبل أي تدخل. هنا تُختبر إنسانيتنا قبل مهنيتنا.
عندما نخطئ في التصنيف، ونفسر القلق عدوانية، أو نعتبر نوبة هلع تمردًا، ثم نتدخل بصرامة بدل الإنصات، فإننا لا نُسعف… بل نمارس شكلاً من أشكال العنف باسم العلاج. العنف لا يكون دائمًا واضحًا أو مقصودًا؛ قد يكون كلمة تُقال، أو قرارًا متسرعًا بالتقييد أو الحقن دون استنفاد بدائل التهدئة، أو تجاهل طلب مشروع لأنه لا ينسجم مع “الروتين”. حين نخطئ في التقدير، نخطئ في كرامة الإنسان.
أرفق هنا صورًا توثّق آثار تدخل خلّف كدمات على إحدى المريضات بعد رفضها حقنة عضلية بسبب أعراض جانبية سابقة. كانت واعية، مدركة، وطلبت الأوكسجين فقط لشعورها بضيق تنفسي. نشر الصور ليس للتشهير، بل للتوعية المهنية وطرح أسئلة مشروعه:
هل استُنفذت وسائل الحوار والاحتواء قبل التدخل؟
هل تم تقييم حالتها النفسية والعضوية بدقة؟
هل كان التدخل القسري آخر خيار أم أول رد فعل؟
المؤسسة الصحية يجب أن تكون مساحة أمان، لا تجربة صادمة إضافية. أي تدخل لا يمر عبر بوابة الإنصات والتقييم المتأنّي يتحول من إجراء علاجي إلى مصدر ضغط جديد، خصوصًا في سياق مستشفيات تعاني احتقانًا مهنيًا وضغطًا متراكمًا ينعكس، دون قصد، على أسلوب التعامل مع المرضى. هنا لا نخسر المريض فقط، بل نخسر الثقة.
لكن المشكلة لا تقف عند أبواب المستشفى. هناك مرض آخر لا نُعالجه بما يكفي: وصمة العار. ما إن يُقال إن شخصًا يعاني اضطرابًا نفسيًا، حتى يُصنَّف أحيانًا فاقد الأهلية، يُلغى صوته، ويُقصى من القرار. يواجه المريض حربًا مزدوجة: مع مرضه ومع مجتمع يختزله فيه. الوصمة قد تكون أقسى من المرض لأنها تسلب الإنسان مكانته قبل أن تسلبه توازنه.
كسر هذه النظرة مسؤولية جماعية. لا يكفي الاستعداد لافتتاح مستشفى إذا بقيت الثقافة الاجتماعية أسيرة الخوف والجهل. الصحة النفسية يجب أن تُدرَّس وتُتابَع منذ الطفولة:
بتوعية الأسر حول التربية العاطفية السليمة.
بإدراج مفاهيم الصحة النفسية في المناهج الدراسية.
بتكوين الأطر التربوية على رصد العلامات المبكرة.
بحملات تحسيسية مستمرة تشارك فيها مكونات المجتمع المدني والإعلام.
الصحة النفسية ليست تخصصًا طبيًا فقط، بل بناء مجتمعي طويل المدى.
إذا أردنا أن يكون افتتاح المستشفى خطوة إصلاح حقيقية، لا مجرد حدث إداري، فلابد من:
تكوين إلزامي معمّق في الإسعاف النفسي الأولي لأطر المستعجلات.
وضع بروتوكولات تجعل التدخل القسري آخر خيار.
تعزيز ثقافة الموافقة المستنيرة واحترام حق المريض الواعي في إبداء تحفظه.
إرساء آليات مراجعة داخلية شفافة لأي تدخل مثير للجدل.
توفير دعم نفسي دوري للعاملين لتخفيف الضغط المهني.
فتح المؤسسة على محيطها عبر أيام توعوية وورش تثقيفية.
تشجيع البحث العلمي المحلي لرصد واقع الصحة النفسية ووضع سياسات مبنية على المعطيات.
فهل لدى المستشفى خطة لتدريب جميع العاملين على التعامل مع الأزمات النفسية قبل افتتاحه؟
كيف سيتم ضمان أن يكون التدخل القسري آخر حل، وليس أول رد فعل؟
هل هناك لجنة مستقلة لمراجعة أي شكوى من المريض أو أهله؟
هل يوجد نظام دعم نفسي منتظم للعاملين لتخفيف الاحتقان المهني؟
كيف يخطط المسؤولون لكسر وصمة العار المرتبطة بالمرض النفسي داخل المجتمع؟
هل سيتم إشراك الجمعيات المدنية والمنظمات المحلية في التوعية والتقييم المستمر؟
المركز الصحي يجب أن يكون مركز احتواء، لا مساحة ضغط. الدواء ليس دائمًا حقنة، وأحيانًا يكون الأوكسجين وكلمة هادئة واحترام طلب مفهوم. نحن لا نكتب من موقع خصومة، ولا ننتقد من أجل الهدم، بل من موقع مسؤولية تؤمن بأن الكرامة جزء من العلاج.
فهل سنكتفي بالاستعداد لافتتاح مستشفى جديد… أم سنستعد أيضًا لافتتاح مرحلة جديدة في فهمنا للصحة النفسية وتعاملنا الإنساني معها؟











