المفتش والبانوبتيكون.. حين تتحول الرقابة إلى سلطة ناعمة داخل الإدارة التعليمية

بنونة فيصلمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
المفتش والبانوبتيكون.. حين تتحول الرقابة إلى سلطة ناعمة داخل الإدارة التعليمية

Loading

بقلم يوسف علوي صوصي

المفتش والبانوبتيكون: عن السلطة الناعمة في الإدارة التعليمية
​في فلسفة ميشيل فوكو حول “السجن البانوبتيكي”، لا يحتاج السجان إلى استخدام القوة الجسدية لضبط المساجين، بل يكفي أن يزرع فيهم شعوراً بأنهم “قد” يكونون تحت المراقبة في أية لحظة. هذه الصورة تتطابق تماماً مع واقع التفتيش المالي في وزارة التربية الوطنية؛ فمفتش الشؤون المالية لا يملك القدرة العملية لزيارة كل مؤسسة تعليمية يومياً، كما أنه لا يعمل من مكتب إداري ثابت يراقب منه الجميع. ومع ذلك، يظل المُسَيِّر (سواء كان مفتشاً مسيراً أو مموناً أو مختصاً في الإدارة والاقتصاد) والمدير في حالة انضباط دائم، يضبطون حساباتهم وسجلاتهم طوال السنة الدراسية تحسباً لزيارة “مفاجئة” قد يقوم بها المفتش في أي وقت. والنتيجة هنا هي ممارسة ما يسمى بـ “الرقابة الذاتية”، حيث تكون سلطة المفتش فعالة ومؤثرة حتى وهو جالس في بيته، محققاً بذلك جوهر السلطة الحديثة: الحصول على أقصى درجات الطاعة والامتثال بأقل قدر من الجهد.
​تنتقل هذه السلطة من مجرد المراقبة إلى صناعة “الحقيقة” عبر التقارير؛ فعندما يكتب المفتش تقريراً عن مؤسسة ما، فهو يقوم فعلياً بتحويل الواقع الميداني المعاش إلى “وثيقة” مكتوبة. هذه الوثيقة تكتسب قوة هائلة لتصبح هي “الحقيقة الرسمية” والوحيدة التي تعتمدها الوزارة لمحاسبة المدير والمُسَيِّر، بصرف النظر عن تفاصيل الواقع الأخرى التي لم تُدوّن. وهنا يتجلى مبدأ تلازم المعرفة والسلطة؛ فمن يمسك القلم (المفتش) هو من يملك سلطة تعريف وضعية المؤسسة.
​ولا يتوقف عمل التفتيش عند كشف الاختلالات المالية فحسب، بل يمتد لترسيخ ما يسميه فوكو “التطبيع” أو “سلطة المعايير”. فهدف النظام الإداري ليس فقط منع تبديد المال العام، بل جعل الموظفين “نمطيين” يلتزمون بالمسطرة حرفياً. يظهر هذا جلياً في التفاصيل اليومية لعمل المُسَيِّر؛ فحتى وإن خفف نظام المطعمة أعباء تدبير المواد الغذائية بالقسم الداخلي، فإن قبضة “البانوبتيكون” تظل محكمة عبر منظومة السجلات الأخرى التي لا تسقط بالتقادم؛ فالمُسَيِّر مطالب بمسك السجل العام للإيصالات وملحقاته، وسجلات المداخيل والمصاريف للخارج عن الميزانية، وسجل الحساب البريدي، ناهيك عن السجلات الدقيقة للمحاسبة المادية والذخائر والجرد. إنه مطالب بالالتزام بتبويب الميزانية بدقة متناهية، بحيث لا يصرف درهماً مخصصاً للصيانة في خانة الأدوات المكتبية، حتى وإن كانت المؤسسة في حاجة ماسة لذلك.
​وهنا يتدخل المفتش لتقويم أي “انحراف” عن المعيار، جاعلاً من المُسَيِّر شخصاً ممتثلاً لا يجتهد خارج النص القانوني. ولكن، في خضم هذا الانشغال الهوسي بضبط السجلات ومطابقة الأرصدة، تنبثق التساؤلات الأكثر إيلاماً: هل تحولت مؤسساتنا التعليمية إلى مجرد “آلات محاسباتية” تُقدس الوثيقة على حساب الواقع؟ وهل أصبح نجاح المُسَيِّر يُقاس بقدرته على “تبرير النفقات” لا بـ “تحقيق الأثر التربوي” لتلك النفقات؟
​في هذا السجن البانوبتيكي، يبدو أننا جميعاً -مفتشين ومُسَيِّرين- قد وقعنا في فخ “الرقابة من أجل الرقابة”؛ حيث يستهلك “الخوف من المفتش” (أو الخوف من الخطأ المادي) كل طاقة الإبداع، لتصبح الحقيقة الوحيدة التي تهمنا هي “توازن السجلات”، حتى لو كانت المدرسة تتهاوى خارج تلك الدفاتر. ألا يدعونا هذا للتساؤل: هل نحن نخدم التلميذ حقاً، أم نخدم فقط “راحة ضمير” النظام البيروقراطي؟

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: عفوا !!