![]()
بقلم: نعمان غزلان
تعد «سمية نعمان كسوس» عالِمة اجتماعٍ وكاتبةً من أبرز الأسماء الأدبية في المغرب، وصاحبةَ كتبٍ حققت مبيعات كبيرة، كما تُعرف بصفتها صوتًا نسويًا وناشطةً بارزة،
من خلال مواقفها وكتاباتها التي بصمت، منذ ثمانينيات القرن الماضي، نقاشاتٍ عموميةً واسعة حول وضعية المرأة في المغرب، وحول الاختلالات الاجتماعية وما يرافقها من طابوهات.
وقد فرضت هذه العالمةُ والكاتبةُ نفسها صوتًا حرًا وملتزمًا، ورائدةً في النقاش العمومي المرتبط بقضايا النساء، سواء في المجتمع الحديث أو في العالم القروي.
وانطلاقًا من رغبةٍ عميقة في فهم المجتمع بعمقه، تناولتْ قضايا كثيرًا ما عُدّت حساسة، بل محظورة أحيانًا: مثل الجنسية، وتعليم الفتيات، ومكانة المرأة داخل الأسرة،
والأعراف الاجتماعية و الظلم الاجتماعي.
وقد أثار صدور الكتاب الجديد للكاتبة نعمان كسوس سمية، «أنا، ابنةُ سجينٍ سياسي»، اهتمامًا واسعًا، سواء في الأوساط الفكرية أو لدى القراء المهتمين بقضايا الذاكرة
الأسرية المرتبطة بمثل هذه الأحداث السياسية.
وفي هذا السياق، خلال حفل توقيع هذا الإصدار، انهالت الدموع منذ الصفحات الأولى التي قرأتها الكاتبة، واستحضرت الذاكرةُ شريطًا من الذكريات، ولم يستطع عددٌ من الحاضرين
حبس دموعهم.
وقد أعادت قوةُ هذا السرد إلى الأذهان، لدى من عاشوا مثل هذه المآسي العائلية، أن وراء كل محنةٍ حيواتٍ وأسرًا وكرامةً تقاوم.
إن صدور هذا العمل السيريّ لا يقتصر على مجرد حكاية: فهو أيضًا فرصة لاكتشاف حقيقةٍ صادقة عن طفولةٍ مميزة ومضطربة، حزينةٍ وسعيدة في آنٍ واحد، صاغت هذه المرأة
التي بصمت الفكر المغربي المعاصر.
فالكتاب ليس مجرد شهادةٍ كئيبة، بل هو أيضًا غوصٌ، أحيانًا في أجواء طريفة وأحيانًا مؤثرة، في ذاكرة طفلةٍ تشكّلت عبر المحنة، وصمتِ المسكوت عنه، والخوف، وغياب
الأب.
إنها طفلةٌ أصبحت طفولتها مرآةً لحقبةٍ كاملة، طبعتها القمعُ، والتصدعاتُ الأسرية، والآثار الإنسانية للصراعات السياسية، إذ يكشف هذا العمل أيضًا صفحةً مهمة من التاريخ
الاجتماعي والسياسي للمغرب، كلّ ذلك مفعمٌ بخفة الظلّ ودقةِ قلمٍ آسرة.
ومن خلال هذه الشهادة الصادقة و المؤثرة، استطاعت الكاتبة أن تمنح صوتًا لكل من نشأوا في ظلّ والدٍ أو والدةٍ سُجِن لأسبابٍ سياسية.
كما تُعدّ هذه الحكايةُ تحيةً لكل الأسر، ولا سيما للأطفال الذين مرّوا بهذه التجارب دون أن يفقدوا الأمل.







