![]()
متابعة/ إبراهيم بلا
في زمن تتزايد فيه الضغوط المعيشية على الأسر المغربية، يعود إلى الواجهة سؤال قديم لكنه يزداد إلحاحاً: إلى أي حد ينسجم خطاب المسؤولين مع واقع المواطن وتحدياته اليومية؟
فبين التصريحات التي تتحدث عن حماية القدرة الشرائية، والتعهدات بجعل المواطن البسيط في صلب السياسات العمومية، تظهر في المقابل مواقف تدعو إلى مراجعة أو إيقاف بعض أشكال الدعم الموجهة إلى الفئات الهشة، بدعوى ترشيد الإنفاق والحفاظ على التوازنات المالية.
وهنا يجد المواطن نفسه أمام مفارقة تحتاج إلى توضيح: كيف يمكن الحديث عن تخفيف الأعباء المعيشية، بينما تستمر المطالب التي قد تزيد الضغط على الفئات الأكثر هشاشة؟ فبالنسبة إلى الأسر محدودة الدخل، لا يتعلق الأمر بأرقام مجردة، بل بمصاريف يومية مرتبطة بالغذاء والسكن والنقل والتعليم وغيرها من الاحتياجات الأساسية.
وتزداد حساسية النقاش عندما يخرج مسؤولون للحديث عن تراجع مداخيلهم بعد تحمل المسؤولية، أو عن صعوبة التوفيق بين الأجور والمصاريف الأسرية. وهي تصريحات قد تبدو مفهومة من زاوية شخصية، لكنها تثير تساؤلات لدى مواطنين يعيشون أصلاً تحت ضغط اقتصادي متواصل، ويكافح كثير منهم لتوفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة.
المسألة هنا لا تتعلق بمقارنة رواتب الأشخاص، بقدر ما ترتبط بصورة المسؤول في نظر المواطن، وبمدى قدرته على استيعاب حجم الصعوبات التي تواجهها الأسر يومياً. فالثقة في الخطاب العمومي لا تُبنى فقط على التصريحات، وإنما على الإحساس بأن القرارات والسياسات تراعي فعلاً أوضاع الفئات المتضررة.
وفي ملف آخر، يبرز موضوع القاصرين المغاربة الذين يسلكون طرقاً محفوفة بالمخاطر بحثاً عن مستقبل أفضل خارج البلاد. وبينما يتركز النقاش الرسمي أحياناً على المسؤوليات القانونية والدبلوماسية المرتبطة بإعادتهم وحماية حقوقهم، يظل سؤال أساسي مطروحاً في الشارع: ما الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تدفع هؤلاء الأطفال والشباب إلى التفكير في مغادرة وطنهم بهذه الطريقة؟
فالهجرة، في هذه الحالة، لا ينبغي أن تُقرأ فقط باعتبارها قضية حدود أو خلافاً بين دول، بل باعتبارها أيضاً مؤشراً على شعور بعض الشباب بانسداد الأفق، وعلى الحاجة إلى سياسات تمنحهم فرصاً حقيقية للتعليم والتكوين والعمل والاستقرار.
وفي نهاية المطاف، تتقاطع هذه الملفات عند عنوان واحد: الثقة. فالمواطن لا ينتظر بالضرورة خطابات مثالية، بقدر ما يريد أن يرى فرقاً واضحاً بين ما يقال وما يُنجز على أرض الواقع.
حماية القدرة الشرائية تحتاج إلى إجراءات ملموسة، ودعم الفئات الهشة يحتاج إلى رؤية تضع كرامة المواطن في المقدمة، بينما تتطلب معالجة قضايا الشباب والهجرة مقاربة شاملة تتجاوز تحميل المسؤولية للآخرين.
ما ينتظره المغاربة اليوم هو قدر أكبر من الوضوح والمصارحة، وسياسات قابلة للقياس، ومشاريع تترجم الوعود إلى نتائج. فحين تتطابق الأقوال مع الأفعال، يصبح بناء الثقة ممكناً، ويشعر المواطن بأن صوته ومعاناته ليسا مجرد موضوع للخطاب، بل جزءاً أساسياً من صناعة القرار.









