![]()
هل أصبح العالم الافتراضي مرآة حقيقية للعقل المغربي، أم أنه لا يعكس سوى جزء من مواقفه وقناعاته؟ سؤال يفرض نفسه بقوة في زمن أصبحت فيه مواقع التواصل الاجتماعي مساحة مفتوحة للتعبير عن الأفكار والمواقف والانفعالات، حتى باتت تفاصيل الحياة اليومية نفسها مادة قابلة للنشر والتعليق والتفاعل.
ولعل المؤسسات والإدارة العمومية المغربية من أكثر الجهات التي راكمت، بحكم طبيعة علاقتها اليومية بالمواطن، معرفة بتفاصيل السلوك الاجتماعي وأنماط التفكير والتفاعل مع مختلف القضايا. فمنذ مراحل الطفولة والدراسة، مروراً بالتكوين والعمل، يجد المواطن نفسه في علاقة مستمرة مع مؤسسات الدولة، بما يجعل هذه العلاقة مدرسة عملية لفهم المجتمع وتحولاته.
ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية، أصبح التعبير عن الرأي أكثر سهولة وأقل كلفة. فحتى منصة «فيسبوك» لم تعد تسأل المستخدم فقط عما يريد أن يكتب، بل تسأله بصورة مباشرة: «فيما تفكر؟». والنتيجة أن ملايين الأشخاص أصبحوا يعرضون أفكارهم ومشاعرهم وتفاصيل يومياتهم أمام جمهور واسع، أحياناً دون حساب كبير لحدود الخصوصية أو مسؤولية الكلمة.
والمغربي ليس استثناءً من هذه الظاهرة. فهو حاضر بقوة في النقاشات الافتراضية، يتفاعل مع الأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ويصدر أحكاماً ومواقف سريعة بشأن قضايا قد تكون معقدة ومتعددة الأبعاد.
لكن المشكلة تبدأ عندما نقارن بين الموقف الافتراضي والموقف الواقعي تجاه الحدث نفسه.
هل نحن أمام ازدواجية في المواقف؟ أم أن طبيعة الفضاء الافتراضي تمنح الإنسان هامشاً مختلفاً من الجرأة والتعبير؟ وهل يمكن فعلاً نقل القناعات التي نعلنها خلف شاشة الهاتف إلى الحياة اليومية بكل تبعاتها ومسؤولياتها؟
حين يقود التيار الموقف
من مظاهر هذه الإشكالية أن الإنسان قد يغير موقفه تبعاً لاتجاه النقاش العام. فالمجتمع المغربي، بحكم طبيعته الاجتماعية، يميل في كثير من الأحيان إلى التفاعل مع الجماعة ومجاراة التيار السائد، خصوصاً عندما يصبح رأي معين هو الأكثر انتشاراً.
وهنا يبرز سؤال التنوع الفكري. فالتربية المتقاربة، والمدرسة، والمحيط الاجتماعي، والعادات المشتركة، كلها عوامل يمكن أن تنتج أنماطاً متشابهة من التفكير. بينما يحتاج الإبداع، في كثير من الأحيان، إلى الاختلاف والقدرة على طرح الأسئلة والخروج عن المألوف.
ولهذا نجد أن بعض الأفكار الجديدة تواجه في بدايتها بالرفض أو السخرية، وقد يوصف صاحبها بالحالم أو الخيالي، قبل أن تثبت الأيام أحياناً أن الفكرة كانت تستحق النقاش منذ البداية.
من بطل افتراضي إلى واقع مختلف
يمكن استحضار بعض الوقائع التي تحولت إلى مواضيع واسعة للنقاش على مواقع التواصل الاجتماعي لفهم هذه المفارقة.
ففي واقعة بائع السمك بمدينة مراكش، ظهرت مواقف متعددة. فقد رأى البعض في الشاب نموذجاً للمواطن الذي حاول مواجهة مشكلات مرتبطة بالسوق والأسعار، بينما اعتبر آخرون أن القضية مجرد موجة عابرة صنعتها مواقع التواصل، وربط بعضهم انتشارها بالرغبة في الشهرة وتحقيق عائدات إعلانية.
لكن بين هذا وذاك كان هناك الواقع نفسه، حيث لم تختف المشكلة بمجرد انتشار القضية على المنصات الرقمية. وقد استفاد بعض التجار من الضجة للترويج لأنشطتهم، قبل أن تخفت الحملة تدريجياً ويعود النقاش إلى الهامش.
وهنا تظهر واحدة من خصائص الذاكرة الرقمية والاجتماعية: سرعة صناعة الحدث وسرعة نسيانه في الوقت نفسه.
العنف.. حين تسبق الأحكام التحقيق
الأمر نفسه يتكرر عند تناول وقائع الاعتداء والعنف التي تحظى باهتمام واسع على مواقع التواصل الاجتماعي.
فعندما تقع حادثة يكون أحد أطرافها موظفاً أو مسؤولاً عمومياً، تنقسم الآراء سريعاً بين من يرفض العنف بشكل مطلق، ومن يتضامن مع المسؤول باعتباره ممثلاً للمؤسسة، ومن يفضل انتظار نتائج البحث والقضاء قبل إصدار أي حكم.
غير أن مشكلة أخرى تظهر عندما يتحول النقاش إلى إصدار أحكام نهائية قبل انتهاء التحقيقات، أو عندما تُبنى المواقف على خلفيات اجتماعية أو تصورات مسبقة حول الغني والفقير، أو القوي والضعيف، أو المسؤول والمواطن.
والواقع أكثر تعقيداً من هذه الثنائيات.
فالعنف لا يرتبط بالضرورة بموقع اجتماعي أو إداري معين، ويمكن أن يصدر من أشخاص مختلفين وفي ظروف متعددة. لذلك فإن المبدأ الأكثر وضوحاً هو أن العنف مرفوض أياً كان مصدره وأياً كانت هوية ضحيته، وأن تحديد المسؤوليات يظل من اختصاص الجهات المخولة قانوناً.
الهاتف يمنح جرأة مختلفة
ربما تكمن إحدى أهم المفارقات في أن الإنسان الذي قد يتردد في التعبير عن رأيه وجهاً لوجه، يصبح أكثر جرأة خلف شاشة هاتفه.
فالاسم المستعار، والصورة الافتراضية، والحساب غير الموثق، والمسافة التي تفصل المستخدم عن المتلقي، كلها قد تمنح البعض شعوراً بالحماية والقدرة على قول أشياء ربما لن يقولها في لقاء مباشر.
وهكذا يصبح العالم الافتراضي فضاءً يسمح أحياناً بمستوى من الجرأة يتجاوز ما يسمح به الواقع.
لكن هذه الجرأة لا تعني بالضرورة قوة في الموقف أو عمقاً في التفكير. فالقدرة على كتابة تعليق حاد ليست دليلاً على امتلاك موقف متماسك، كما أن كثرة التفاعل لا تجعل من الفكرة حقيقة.
بين الشاشة والحياة
المشكلة، إذن، ليست في مواقع التواصل الاجتماعي نفسها، فهي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الحياة الحديثة، وإنما في الطريقة التي نتعامل بها معها.
فالفضاء الرقمي يمكن أن يكون وسيلة للتوعية والنقاش وتبادل الأفكار، كما يمكن أن يتحول إلى مساحة للأحكام السريعة والتعميم والإشاعات وتصفية الحسابات.
والوعي الحقيقي يبدأ عندما يدرك المستخدم أن ما يكتبه خلف الشاشة ليس منفصلاً تماماً عن شخصيته في الواقع، وأن الكلمة المنشورة يمكن أن تكون لها آثار تتجاوز لحظة كتابتها.
في العالم الافتراضي، قد تبدو المواقف أكثر مثالية، وأكثر حدة أحياناً، بينما يفرض الواقع على الإنسان حسابات أخرى تتعلق بالمسؤولية والنتائج والظروف المحيطة.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل في جعل المغربي أكثر نشاطاً على مواقع التواصل الاجتماعي، بل في جعله أكثر قدرة على التفكير النقدي، واحترام الاختلاف، والتمييز بين المعلومة والرأي، وبين النقاش والحكم، وبين حرية التعبير والمسؤولية.
فالعقل الذي نراه خلف الشاشة هو جزء من العقل نفسه الذي يتحرك في الشارع والعمل والأسرة والمؤسسات. وبين الاثنين مسافة قد تبدو كبيرة أحياناً، لكنها في النهاية تختصر سؤالاً واحداً: هل نريد أن نكون كما نبدو في العالم الافتراضي، أم نريد أن نكون كما نتصرف في الواقع؟
ربما يكون الجواب الحقيقي موجوداً في المسافة الفاصلة بين الاثنين.











