![]()
في ليلة من ليالي الطرب الاستثنائية، اعتلى “القيصر” كاظم الساهر مساء الخميس 26 يونيو خشبة مسرح النهضة في مهرجان موازين 2025.
حيث كانت الرباط على موعد مع الأسطورة، الصوت، والقصيدةعلى موعد مع كاظم الساهر، ذاك الفنان الذي لا يُقدَّم، لأنه ببساطة أكبر من أن يُختصر، أوسع من أن يُصنَّف، وأكثر سحراً من أن يُقلَّد. على منصة مسرح النهضة، وقف القيصر كما لم يقف غيره، شامخًا في حضوره، هادئًا في صوته، عاصفًا في تأثيره.
منذ اللحظة الأولى التي صدح فيها صوته، بدا أن الزمن قد تراجع خطوة إلى الوراء، ليُفسِح الطريق أمام الشعر والموسيقى والحب، كان الحضور كثيفًا، لكن الأهم من العدد كان الإنصات، تلك الوقفة الصامتة التي لا يمنحها الجمهور إلا لفنان يلامس جوهره، كان كل مقطع من أغنياته بمثابة صلاة علنية في معبد العشق العربي، حيث الكلمات تخترق الروح، والألحان ترسم على الوجدان فسيفساء من الذكريات.
غنّى كاظم “زيديني عشقاً” فزاد الحضور انبهاراً، غنّى “أنا وليلى” فذابت الجموع في صوته كما يذوب الضوء في الماء، غنّى للعراق، للمرأة، للحنين، وحتى للخذلان، لكنه غنّى أولاً وأخيرًا للحب، ذاك الشعور الذي يجيد هو وحده تطويعه على أوتار العود وفي زوايا القلب.
لم تكن الليلة مجرد عرض فني، بل كانت طقسًا جماعيًا من الشغف، شهد فيه الحاضرون كيف يمكن لفنان أن يُحوِّل المنصة إلى مسرح للوجدان، وكيف يمكن للحرف العربي أن يستعيد هيبته في زمن الضجيج، لقد قدم كاظم الساهر درسًا في الرقي الفني، والالتزام الجمالي، والوفاء لذائقة تتوق إلى العمق.
وراءه كانت الأوركسترا تنسج له عالماً من النغم المترف، وفي عينيه سكينة العارف بحجمه، الواثق من رسالته، أما جمهوره، فمنح ذاته بالكامل، دون تحفظ، وكأنهم جميعًا كانوا يدركون أنهم يشهدون لحظة لا تتكرر، لحظة يقودها “قيصر”، لا يوزع الوعود، بل يكتبها نغمة نغمة، بيتًا بيتًا.
كاظم الساهر في موازين 2025 لم يكن ضيفًا، بل كان عنوانًا، حضوره ليس تكريماً له بل تكريماً للغناء العربي كله، فمن خلاله تذكرت الرباط، وتذكرت معها الجماهير، أن الفن لا يُقاس بعدد المشاهدات، بل بمدى قدرته على مُلامسة الإنسان فينا.










