الصحة النفسية في المغرب: حين يتحول التقصير إلى خرق دستوري وصرخة إنسانية تطالب بالإنصاف

إدارة الموقع19 مارس 2026آخر تحديث :
الصحة النفسية في المغرب: حين يتحول التقصير إلى خرق دستوري وصرخة إنسانية تطالب بالإنصاف

Loading

بقلم: لطيفة بنعاشير

 

لم يعد النقاش حول الصحة النفسية في المغرب ترفًا فكريًا أو مطلبًا قطاعيًا محدودًا، بل أضحى قضية حقوق إنسان بامتياز، تُطرح فيها بحدة أسئلة الالتزام القانوني للدولة، وحدود مسؤوليتها، ومآلات الإخلال بواجباتها تجاه فئة من أكثر الفئات هشاشة في المجتمع. من داخل مستشفى الرازي بسلا، حيث أواكب والدي في مسار علاجي، تتجسد يوميًا فجوة مؤلمة بين ما يقرّه القانون وما يعيشه المواطن، فجوة لا يمكن اختزالها في ضعف الإمكانيات فقط، بل تمتد لتلامس شبهة الإخلال بالتزامات قانونية ودستورية صريحة.

 

ينظم الظهير الشريف رقم 1.58.295 بتاريخ 30 أبريل 1959 المتعلق بالوقاية من الأمراض العقلية ومعالجتها وضعية المرضى النفسيين، ويُحمّل الدولة مسؤوليات واضحة في ضمان الولوج إلى العلاج داخل مؤسسات ملائمة، وحماية كرامة المرضى، وتأطير الإيواء الإجباري وفق ضوابط قانونية دقيقة، مع إخضاع المؤسسات الصحية للمراقبة. كما أن دستور المملكة المغربية لسنة 2011 لا يترك مجالًا للتأويل، إذ ينص في فصله الحادي والثلاثين على التزام الدولة بتعبئة كل الوسائل لتيسير استفادة المواطنات والمواطنين من الحق في العلاج والعناية الصحية، وفي فصله الرابع والثلاثين على وضع سياسات عمومية موجهة للفئات في وضعية هشاشة. وبذلك، فإن المريض النفسي ليس شأنًا عائليًا خاصًا، بل مسؤولية عمومية تضمنها الدولة قانونًا ودستورًا.

 

ولا تقف هذه الالتزامات عند حدود التشريع الوطني، بل تمتد إلى التزامات دولية صادق عليها المغرب، من بينها العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الذي يقر في مادته الثانية عشرة بالحق في التمتع بأعلى مستوى من الصحة البدنية والعقلية، إضافة إلى مبادئ الأمم المتحدة المتعلقة بحماية الأشخاص المصابين بمرض عقلي، والتي تشدد على ضرورة توفير رعاية تحفظ الكرامة الإنسانية. هذه المرجعيات مجتمعة تجعل من الحق في الصحة النفسية التزامًا قانونيًا وأخلاقيًا، وتُحمّل الدولة واجب الإعمال التدريجي له دون المساس بجوهره.

 

غير أن ما يُسجّل ميدانيًا داخل عدد من المؤسسات الصحية، ومن بينها مستشفى الرازي، يكشف عن واقع مقلق يتسم بخصاص في الأطر الطبية، وضغط يفوق الطاقة الاستيعابية للبنيات، وضعف في المواكبة النفسية والاجتماعية للعائلات، وغياب استمرارية العلاج خارج أسوار المستشفى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى إضعاف جودة الخدمات، بل يُفضي عمليًا إلى تحميل العائلات عبئًا يفوق دورها القانوني، حيث تتحول قسرًا إلى بديل عن مؤسسة يفترض أن تكون قائمة، فتُستنزف نفسيًا وماديًا في مواجهة وضع معقد دون سند حقيقي.

 

إن ما نعيشه اليوم يطرح بإلحاح سؤال المسؤولية، ليس فقط من زاوية التدبير، بل من زاوية احترام الالتزامات القانونية. فحين تعجز المنظومة عن ضمان الحد الأدنى من الرعاية اللائقة، وحين يُترك المريض النفسي في وضع يمس كرامته، فإن الأمر يتجاوز مجرد القصور ليقترب من شبهة المساس بحقوق أساسية. مسؤولية وزارة الصحة والحماية الاجتماعية هنا مسؤولية مباشرة في توفير الموارد البشرية والبنيات وضمان جودة الخدمات، كما أن السلطات العمومية معنية بتأمين شروط الرعاية، والبرلمان مطالب بممارسة دوره الرقابي وتحيين الترسانة القانونية، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان مدعو لرصد الأوضاع والتدخل عند تسجيل أي انتهاك، فيما يبقى المجتمع المدني مطالبًا بتكثيف جهود الترافع وكسر الصمت. غير أن أي خلل في هذا النسق لا يمكن أن يبرر نقل العبء إلى العائلة، لأن المسؤولية الأصلية تبقى مسؤولية الدولة.

 

إن هذا الواقع المؤلم لا يستدعي فقط التشخيص، بل يفرض الانتقال إلى لحظة مساءلة حقيقية وإرادة إصلاح جريئة، تُعيد الاعتبار للصحة النفسية كأولوية صحية وحقوقية، وتضمن تعزيز الموارد والبنيات، وتفعيل آليات المراقبة والمحاسبة، وتحيين الإطار القانوني بما ينسجم مع المعايير الدولية. ومن هذا المنطلق، نرفع نداءً إنسانيًا إلى جلالة الملك محمد السادس نصره الله، باعتباره الضامن لحقوق المواطنين، من أجل إيلاء هذا الملف العناية اللازمة، وإعطاء دفعة إصلاحية حقيقية لقطاع يمس كرامة الإنسان في أعمق تجلياتها، وإنقاذ فئة تعيش بين هشاشة المرض وقسوة الإهمال.

 

إن الحق في الصحة النفسية ليس امتيازًا يُمنح، بل حق أصيل لا يقبل التأجيل أو التهميش، وأي إخلال به لا يُقاس فقط بالأرقام أو المؤشرات، بل يُقاس بمدى صون كرامة الإنسان في لحظات ضعفه. فإلى متى سيبقى هذا الملف حبيس النصوص؟ ومتى نمتلك الجرأة للانتقال من الاعتراف القانوني إلى الإنصاف الواقعي؟ إنها ليست فقط صرخة معاناة، بل مساءلة قانونية وأخلاقية مفتوحة في وجه كل من يتحمل مسؤولية القرار.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.