![]()
إبراهيم بلا
الحكاية الثانية
في قلب مراكش، حيث تتجاور الأزقة العتيقة مع أصوات المدينة المتجددة، ظلت ساحة جامع الفنا على امتداد عقود فضاءً يتجاوز حدود المكان. فقد كانت الساحة، ولا تزال في الذاكرة الشعبية، مسرحاً مفتوحاً تتقاطع فيه الحكايات والأصوات والضحكات، وتنتقل من خلاله تفاصيل الحياة وقيم المجتمع من جيل إلى آخر.
ومع حلول المساء، كانت ملامح الساحة تتغير تدريجياً، فتتجمع حلقات من الناس حول الحكواتي أو «الحلايقي»، الذي يتوسط جمهوره ويستعين بالصوت والحركة والإيماءة لاستدراج المستمعين إلى عالم الحكاية. ولم يكن دوره مقتصراً على سرد الأحداث، بل كان يحمل في ذاكرته رصيداً من السير والأمثال والحكم والقصص التي تناقلتها الأجيال شفوياً.
وكانت السير الشعبية، من قبيل «سيرة سيف بن ذي يزن» و«عنترة بن شداد»، إلى جانب حكايات «ألف ليلة وليلة»، تجد طريقها إلى حلقات الساحة. وبينما يتابع الجمهور تطورات القصة، كان الراوي يغير نبرة صوته بحسب الموقف، ويترك للصمت أحياناً أن يؤدي دوره، مستعيناً بحركاته وتعابير وجهه لصناعة التشويق والحفاظ على انتباه الحاضرين.
بهذه الطريقة، تحولت «الحلقة» إلى مدرسة شعبية مفتوحة لا تحتاج إلى سبورة أو كتب. فمن خلالها كان الصغار والكبار يتعرفون على معاني الشجاعة والوفاء والعدل والحكمة، ويتعلمون من تجارب أبطال الحكايات ومصائرهم. كما وجد الحكواتي في قصصه وسيلة لتمرير رسائل اجتماعية وأخلاقية، إلى جانب منح الجمهور لحظات من المتعة والابتعاد عن أعباء الحياة اليومية.
ولعب الحلايقية أيضاً دوراً مهماً في حفظ جانب من الذاكرة الشفهية لمراكش. فالكثير من القصص والأمثال والحكايات لم تكن محفوظة في الكتب، وإنما ظلت حاضرة بفضل أصوات الرواة وقدرتهم على نقلها من جيل إلى آخر. وكانت الحلقة، في الوقت نفسه، فضاءً يجتمع فيه أشخاص من مختلف الأعمار والخلفيات، فيتفاعلون مع الحكاية بالضحك والتعليق والتصفيق، ويتحولون من مجرد مستمعين إلى جزء من المشهد.
وكانت العلاقة بين الراوي والجمهور تقوم كذلك على التقدير المتبادل؛ إذ كان بعض الحاضرين يقدمون للحلايقي «الفتوحة» عرفاناً بما يقدمه من فرجة وحكايات. ولم تكن هذه العلاقة تشبه ما يحدث في المسارح الحديثة، حيث تفصل الخشبة بين الفنان والجمهور، بل كانت تقوم على القرب والتفاعل المباشر، في فضاء مفتوح تتشكل فيه الفرجة لحظة بلحظة.
ومن خلال هذا الدور، أصبحت جامع الفنا مرآة للحياة المراكشية بكل تفاصيلها. ففي حلقاتها حضرت الفكاهة والسخرية كما حضرت الحكايات الجادة، وانعكست فيها أفراح الناس وهمومهم ونظرتهم إلى الحياة. وكان الضحك، في كثير من الأحيان، وسيلة للتخفيف من ثقل الواقع ومواجهة صعوباته بروح شعبية قادرة على تحويل المواقف اليومية إلى حكايات يتقاسمها الجميع.
وعندما نستعيد اليوم صورة الحكواتي وهو يقف وسط حلقته، محاطاً بجمهور ينتظر نهاية القصة، فإننا لا نستحضر مجرد مشهد من زمن مضى، وإنما نستعيد نموذجاً ثقافياً كانت فيه الكلمة الشفهية تؤدي وظيفة تتجاوز الترفيه. فقد كان الراوي معلماً وفناناً وناقلَ ذاكرة، وكانت الساحة مسرحه، بينما كان الجمهور شريكاً أساسياً في صناعة المشهد.
وهكذا ظل راوي جامع الفنا حاضراً في الذاكرة الثقافية لمراكش، باعتباره رمزاً لزمن كانت فيه الحكاية قادرة على جمع الناس حول لحظة واحدة، وتحويل فضاء شعبي بسيط إلى مدرسة للحياة ومسرح للخيال وذاكرة تحفظ جانباً من روح المدينة.











