بعد الانتخابات.. من يحمي أوراش المغرب الكبرى من رياح التغيير الحكومي؟

EL AZHAR BENNOUNA SANAAمنذ 50 دقيقةآخر تحديث :
بعد الانتخابات.. من يحمي أوراش المغرب الكبرى من رياح التغيير الحكومي؟

Loading

مع اقتراب المغرب من مرحلة ما بعد الانتخابات التشريعية، المقرر إجراؤها في 23 شتنبر 2026، يعود إلى الواجهة سؤال يتجاوز نتائج الاقتراع وتشكيل الأغلبية المقبلة: كيف يمكن ضمان استمرار المشاريع والأوراش الاستراتيجية التي تمتد آجالها لسنوات، في ظل احتمال تغير الحكومات وتبدل الأولويات؟

فالمشاريع الكبرى لا تُنجز في موسم انتخابي واحد. البنيات التحتية، ومشاريع الماء والطاقة، وإصلاحات التعليم والصحة، وبرامج الحماية الاجتماعية، والاستثمارات الصناعية، كلها تحتاج إلى رؤية طويلة النفس، وتمويل مستقر، وتنسيق مؤسساتي يتجاوز عمر الحكومات.

مشروع الدولة أم برنامج الحكومة؟

التمييز بين المشروع الاستراتيجي طويل الأمد والبرنامج الحكومي المرتبط بولاية انتخابية يساعد على فهم هذه المسألة.

فالبرنامج الحكومي يمكن أن يتغير بعد الانتخابات وفقاً لتركيبة الأغلبية الجديدة وأولوياتها، بينما تستند بعض الأوراش إلى قوانين واتفاقيات وتمويلات ومخططات قطاعية تمتد لسنوات.

وتظهر هذه المسألة بوضوح في ميثاق الاستثمار الجديد، الذي دخل حيز التنفيذ سنة 2023، وأصبح إطاراً مؤسساتياً لتوجيه الاستثمارات ودعمها. وخلال الدورة الـ11 للجنة الوطنية للاستثمارات في يوليوز 2026، تمت المصادقة على 29 مشروعاً استثمارياً بقيمة تقارب 42 مليار درهم، إلى جانب مشاريع أخرى اكتسبت الطابع الاستراتيجي.

وهذا النوع من الآليات يجعل جزءاً من القرارات الاستثمارية مرتبطاً بإطار مؤسساتي لا يتوقف بالضرورة عند تغيير الفريق الحكومي.

التمويل والقانون.. مفاتيح الاستمرارية

استمرارية المشاريع الكبرى لا تعتمد فقط على الإرادة السياسية، بل ترتبط أيضاً بكيفية إدراجها في القوانين والميزانيات والاتفاقيات والبرامج متعددة السنوات.

ومشروع قانون المالية لسنة 2026، على سبيل المثال، ربط بين تنفيذ التزامات البرنامج الحكومي 2021-2026 وبين توصيات النموذج التنموي الجديد، كما تضمن أولويات مرتبطة بالتنمية الترابية وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية وتسريع الإصلاحات الهيكلية.

ومن الناحية العملية، كلما انتقل المشروع من مجرد إعلان سياسي إلى برنامج ممول ومؤطر قانونياً وله آجال ومؤشرات تتبع واضحة، أصبحت مواصلة تنفيذه أقل ارتباطاً بالتغيير الحكومي المباشر.

الاستثمار الخاص يدخل على خط الاستمرارية

هناك عامل آخر لا يقل أهمية، يتمثل في تنامي دور الاستثمار الخاص في المشاريع الاقتصادية الكبرى.

ففي يونيو 2026، أكد والي بنك المغرب عبد اللطيف الجواهري أن الاستثمار الخاص مرشح للاضطلاع بدور متزايد في دعم النمو، مشيراً إلى آليات من بينها ميثاق الاستثمار وقانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص ومراكز الاستثمار الجهوية وبرامج التنمية الترابية.

وهنا تبرز فكرة أساسية: عندما يصبح المشروع مرتبطاً بعقود استثمار واتفاقيات وشراكات وتمويلات متعددة الأطراف، فإن تغيّر الحكومة لا يعني بالضرورة إعادة إطلاقه من نقطة الصفر، وإن كانت الحكومة الجديدة تظل قادرة على مراجعة الأولويات أو طرق التنفيذ ضمن الأطر القانونية المتاحة.

من الأوراش الكبرى إلى المواطن

لكن الاستمرارية لا تُقاس فقط ببقاء المشاريع على الورق.

بالنسبة للمواطن، السؤال الأكثر أهمية هو: هل يستمر المشروع؟ وهل يصل أثره فعلاً إلى الحياة اليومية؟

في قطاعات مثل الصحة والتعليم والماء والنقل والحماية الاجتماعية، لا تكفي برمجة المشاريع أو توقيع الاتفاقيات. المطلوب هو التتبع المستمر، وقياس النتائج، ومعالجة التأخر والاختلالات، وربط الإنفاق العمومي بما يتحقق على أرض الواقع.

وفي هذا السياق، أطلقت وزارة التجهيز والماء خلال 2026 منصة رقمية تحت اسم «مرصد المشاريع» لتتبع المشاريع وعرض تقدمها ومعطياتها بشكل تفاعلي، بما في ذلك توزيعها الترابي. وتقول الوزارة إن الهدف يتمثل في تعزيز الشفافية وتحسين الحكامة واتخاذ القرار على أساس المعطيات.

ماذا يمكن أن يتغير بعد الانتخابات؟

تغيير الحكومة يمكن أن يحمل معه تعديلات في الأولويات والبرامج وطرق التنفيذ، وهذا أمر طبيعي في الأنظمة الديمقراطية.

لكن في المقابل، فإن المشاريع التي أصبحت مؤطرة قانونياً ومالياً، أو المرتبطة بالتزامات تعاقدية واتفاقيات استثمار، أو المدرجة ضمن استراتيجيات وطنية طويلة الأمد، تمتلك آليات مختلفة للاستمرارية.

ومن هنا يصبح التحدي أمام أي حكومة مقبلة مزدوجاً: الحفاظ على المشاريع التي تستند إلى التزامات ومخططات طويلة المدى، وفي الوقت نفسه إعادة ترتيب الأولويات وفق البرنامج الذي حصل على التفويض الانتخابي.

الاستمرارية تحتاج إلى مؤسسات قوية

في النهاية، لا يرتبط مستقبل الأوراش الاستراتيجية فقط باسم الحكومة التي أطلقتها، وإنما بمدى قوة المؤسسات التي تتولى التخطيط والتمويل والتنفيذ والتقييم.

فالمغرب يدخل مرحلة سياسية جديدة، فيما توجد على أرض الواقع مشاريع واستثمارات تحتاج إلى سنوات حتى تظهر نتائجها كاملة. وبين التغيير السياسي واستمرارية الدولة، تبرز الحاجة إلى حكامة تجعل السياسات العمومية قابلة للتراكم، بحيث لا تبدأ كل حكومة من الصفر، ولا تتحول المشاريع الكبرى إلى رهينة للتقلبات السياسية.

ويبقى المواطن في قلب هذه المعادلة: فنجاح أي ورش استراتيجي، في نهاية المطاف، لا يقاس فقط بحجم الميزانية أو عدد الاتفاقيات، بل بما يتركه من أثر ملموس على فرص الشغل، وجودة الخدمات، وتقليص الفوارق، وتحسين شروط العيش

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: عفوا !!