![]()
السيولة النقدية تواصل الارتفاع في المغرب.. وتجربة 2024 تعيد إلى النقاش سؤال إدماج الأموال في الدورة البنكية بدل بقائها خارج مسارات التتبع
في الوقت الذي يخطو فيه مشروع قانون المالية لسنة 2027 خطواته الأولى، عاد واحد من أكثر الملفات حضوراً في النقاش الاقتصادي المغربي إلى الواجهة: حجم السيولة النقدية المتداولة خارج الحسابات البنكية، وما إذا كان ارتفاعها المستمر يمكن أن يدفع نحو إجراءات جديدة لتشجيع إدماج جزء منها في الدورة المالية المنظمة.
وتشير المعطيات المنشورة إلى أن حجم النقد المتداول اقترب من 540 مليار درهم في نهاية يوليوز 2026، بعدما تجاوز 543 مليارا في نهاية ماي، وهو مستوى يعكس استمرار الطلب القوي على التعامل النقدي رغم توسع وسائل الأداء الإلكتروني والخدمات البنكية الرقمية.
وفي موازاة ذلك، دخل إعداد مشروع قانون المالية 2027 مرحلته الرسمية، بعدما نشرت وزارة الاقتصاد والمالية المذكرة التوجيهية الخاصة بإعداده في 12 غشت 2026، ما يجعل النقاش حول الخيارات الجبائية والمالية المقبلة أكثر حضوراً في هذه المرحلة.
«الكاش» الكبير لا يعني بالضرورة أموالاً مخفية
رغم ضخامة الرقم، فإن قراءة حجم النقد المتداول تحتاج إلى قدر من الحذر.
فالأموال الموجودة خارج الحسابات البنكية لا تعني تلقائياً أنها أموال ناتجة عن التهرب الضريبي أو غير مصرح بها. جزء منها يدخل في احتياجات الأسر اليومية، والادخار النقدي، ومعاملات التجارة والخدمات، إضافة إلى السيولة التي تحتفظ بها المقاولات والفاعلون الاقتصاديون.
غير أن استمرار ارتفاع النقد المتداول يطرح، في المقابل، سؤالاً أوسع حول مدى اعتماد الاقتصاد على وسائل الأداء النقدية، وحول حجم التدفقات المالية التي يمكن أن تظل أقل قابلية للتتبع مقارنة بالمعاملات التي تمر عبر النظام البنكي.
وهنا تتحول قضية «الكاش» من مجرد مؤشر نقدي إلى موضوع يرتبط أيضاً بالامتثال الضريبي والشمول المالي ورقمنة الاقتصاد.
لماذا تعود «التسوية الطوعية» إلى النقاش؟
السبب الرئيسي يعود إلى تجربة سنة 2024، حين اعتمد المغرب آلية للتسوية الطوعية شملت، وفق الإطار القانوني المعتمد، بعض الأموال والمداخيل والممتلكات غير المصرح بها مقابل مساهمة تحريرية محددة في 5 في المائة. وبحسب المعطيات التي أوردتها هسبريس نقلاً عن المديرية العامة للضرائب، بلغت القيمة الإجمالية للتصريحات 128.6 مليار درهم، فيما قاربت المداخيل المباشرة للخزينة 6.4 مليارات درهم.
هذه الحصيلة تجعل التجربة السابقة حاضرة بقوة في أي نقاش حول إمكانية اعتماد آلية مشابهة مستقبلاً، خصوصاً في ظل استمرار ارتفاع حجم السيولة النقدية.
لكن وجود نقاش حول الفكرة لا يعني أن مشروع مالية 2027 يتضمن بالفعل تسوية طوعية جديدة؛ فالمعطيات الرسمية المنشورة حالياً تؤكد دخول المشروع مرحلة الإعداد، دون أن تثبت، في المصادر المتاحة، اعتماد مثل هذا الإجراء ضمن الصيغة النهائية.
بين موارد سريعة وإصلاح طويل الأمد
من الناحية المالية، تبدو التسوية جذابة لأنها يمكن أن تحقق إيرادات استثنائية للخزينة، وفي الوقت نفسه تشجع بعض حاملي السيولة على إدخال أموالهم إلى النظام البنكي والإفصاح عنها.
لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول التسويات الاستثنائية إلى ممارسة متكررة.
فتكرارها قد يبعث، بحسب خبراء نقلت عنهم المادة الأصلية، برسالة غير مرغوبة إلى الملتزمين ضريبياً، مفادها أن انتظار إجراء استثنائي مستقبلي قد يكون أقل كلفة من التصريح المنتظم وأداء المستحقات في مواعيدها.
وبالتالي، فإن نجاح أي آلية جديدة لا يقاس فقط بالمبلغ الذي يمكن أن تدخله إلى خزينة الدولة، وإنما أيضاً بقدرتها على تغيير السلوك المالي على المدى الطويل.
التجربة السابقة.. ماذا كشفت؟
الأرقام المسجلة خلال تسوية 2024 أظهرت وجود كتلة مهمة من الأموال والممتلكات والمداخيل التي أمكن إدماجها ضمن الإطار المصرح به.
غير أن القيمة الحقيقية للتجربة لا تكمن فقط في مبلغ 6.4 مليارات درهم الذي دخل إلى الخزينة، وإنما في كمية المعلومات المالية التي أصبحت متاحة للإدارة، وفي الأموال التي انتقلت من وضع أقل قابلية للتتبع إلى مسارات مالية أكثر وضوحاً.
وهنا يبرز الفرق بين تسوية هدفها الأساسي تحصيل إيراد استثنائي، وتسوية تُصمم باعتبارها جسراً نحو امتثال مستمر.
«الكاش» أكبر من مجرد ملف جبائي
ارتفاع التداول النقدي يرتبط بمجموعة عوامل متداخلة، من بينها استمرار بعض المعاملات النقدية في الاقتصاد غير المهيكل، وتفضيل بعض الأسر الاحتفاظ بجزء من مدخراتها خارج البنوك، إلى جانب استعمال «الكاش» في قطاعات تجارية وخدماتية مختلفة.
ولهذا، فإن معالجة الظاهرة لا تبدو قابلة للاختزال في إجراء ضريبي واحد.
فالحد من الاعتماد المفرط على النقد يتطلب، في الوقت نفسه، توسيع وسائل الأداء الإلكتروني، وتبسيط الولوج إلى الخدمات البنكية، وتحسين الثقة في المنظومة المالية، وتطوير أدوات الرقابة والتتبع، مع الحفاظ على سهولة استعمال وسائل الأداء بالنسبة إلى المواطنين والمقاولات.
مالية 2027 أمام اختبار التوازن
وزارة الاقتصاد والمالية وضعت بالفعل مشروع قانون المالية 2027 ضمن مسار رسمي للإعداد، ونشرت المذكرة التوجيهية الخاصة به، كما عرضت أمام لجنتي المالية في يوليوز 2026 الإطار العام لإعداد المشروع والبرمجة الميزانياتية للسنوات المقبلة.
وفي هذا السياق، سيكون ملف «الكاش» واحداً من القضايا التي تستحق المتابعة، ليس فقط بسبب حجمه، وإنما بسبب علاقته بمستقبل النظام المالي والجبائي في المغرب.
والسؤال الأساسي لا يتعلق فقط بما إذا كانت التسوية الطوعية ستعود أم لا، وإنما بنوعية السياسة التي يمكن أن ترافق أي إجراء محتمل: هل سيكون الهدف تحصيل موارد ظرفية، أم تحويل الأموال إلى النظام البنكي، ثم ضمان استمرار التصريح والامتثال بعد انتهاء فترة التسوية؟
من «الكاش» إلى اقتصاد أكثر قابلية للتتبع
في نهاية المطاف، يكشف استمرار ارتفاع السيولة النقدية عن تحول اقتصادي يحتاج إلى معالجة متعددة الأبعاد.
فالنقد سيظل جزءاً طبيعياً من الحياة الاقتصادية، لكن الرهان الأكبر يتمثل في توسيع مساحة المعاملات التي تمر عبر قنوات منظمة وقابلة للتتبع، بما يعزز الثقة ويحسن الشفافية ويدعم عدالة النظام الضريبي.
أما بالنسبة إلى مالية 2027، فإن عودة الحديث عن التسوية الطوعية تظل، في الوقت الحالي، موضوعاً للنقاش وليس قراراً معلناً. والحسم في هذا الملف سيكون مرتبطاً بالخيارات التي ستتضمنها الصيغة النهائية لمشروع قانون المالية، وبمدى قدرة الإصلاحات المرتقبة على الجمع بين تعبئة الموارد وتشجيع الامتثال المستدام











