![]()
في خضم الحراك الدبلوماسي الذي تشهده نيويورك على هامش الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، شكلت العلاقات المغربية الأوروبية محور مباحثات جمعت، مساء الاثنين، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج ناصر بوريطة، والممثلة السامية للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية ونائبة رئيس المفوضية الأوروبية كايا كالاس.
اللقاء يأتي في سياق تسعى فيه الرباط وبروكسل إلى إعطاء دفعة جديدة لشراكتهما، التي تمتد لأكثر من خمسة عقود وتشمل ملفات سياسية واقتصادية وأمنية، إلى جانب قضايا إقليمية ودولية متزايدة التعقيد. وقد سبق للطرفين أن عبّرا، خلال مجلس الشراكة الـ15 في يناير الماضي، عن رغبتهما في الارتقاء بالعلاقات إلى مستوى أكثر استراتيجية.
شراكة متعددة الملفات على طاولة النقاش
المباحثات لم تقتصر على الجانب السياسي للعلاقات الثنائية، بل شملت مختلف أوجه التعاون المغربي الأوروبي، خصوصاً في المجالات الاقتصادية والتجارية والأمنية.
كما حضر التعاون في مواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة ضمن الملفات ذات الأولوية، إلى جانب تبادل وجهات النظر بشأن عدد من القضايا الإقليمية والدولية التي تفرض نفسها على أجندة الطرفين.
ويعكس هذا التنوع في الملفات طبيعة الشراكة بين المغرب والاتحاد الأوروبي، التي لم تعد محصورة في العلاقات الاقتصادية والتجارية، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بقضايا الأمن والاستقرار والتنسيق الدبلوماسي في الفضاء المتوسطي والإفريقي.
الشرق الأوسط وأوكرانيا والساحل ضمن الحسابات الدبلوماسية
وفي الجانب الدولي، تطرق بوريطة وكالاس إلى عدد من بؤر التوتر التي تشغل المجتمع الدولي، وفي مقدمتها تطورات الوضع في الشرق الأوسط، والحرب الروسية الأوكرانية، إضافة إلى المستجدات في منطقة الساحل الإفريقي.
وتأتي هذه النقاشات في وقت يراهن فيه الاتحاد الأوروبي والمغرب على تعزيز التنسيق داخل المحافل الدولية والإقليمية، خصوصاً بشأن الملفات التي تتقاطع فيها مصالح الطرفين، من الأمن الإقليمي إلى الاستقرار والتنمية ومواجهة التحديات العابرة للحدود. وقد أكد الجانبان في وقت سابق أهمية تنسيق الجهود الدبلوماسية من أجل دعم الاستقرار والأمن والازدهار في منطقة الساحل.
ملف الصحراء.. المسار الأممي في الواجهة
وكان ملف الصحراء من أبرز القضايا التي حضرت في النقاشات، في ظل استمرار المسار الذي تقوده الأمم المتحدة للتوصل إلى حل سياسي للنزاع.
ويستند الموقف الأوروبي المعلن إلى دعم جهود الأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الشخصي، مع الترحيب بقرار مجلس الأمن رقم 2797 لسنة 2025، الذي جعل مقترح الحكم الذاتي المغربي أساساً للمفاوضات الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الأطراف، وفق ما ورد في الموقف المشترك للاتحاد الأوروبي والمغرب.
وفي هذا الإطار، أكد الاتحاد الأوروبي أن مبادرة الحكم الذاتي المغربية يمكن أن تمثل مخرجاً قابلاً للتطبيق ضمن المسار الأممي، مع التشديد في الوقت نفسه على ضرورة مواصلة المفاوضات بين الأطراف والتوصل إلى حل نهائي متوافق عليه، بما ينسجم مع ميثاق الأمم المتحدة.
بروكسل مستعدة لمواصلة دعم المساعي الأممية
ومن النقاط التي يبرزها الموقف الأوروبي أيضاً الترحيب باستعداد المغرب للانخراط مع الأطراف المعنية من أجل توضيح تفاصيل ومضامين مقترح الحكم الذاتي، وكيفية تجسيده في إطار السيادة المغربية.
كما جدد الاتحاد الأوروبي استعداده للمساهمة في تيسير المشاورات بين الأطراف داخل الإطار الذي ترعاه الأمم المتحدة، ودعم جهود المبعوث الشخصي للأمين العام، بما يساعد على استمرار المسار السياسي.
وهذا الموقف كان قد جرى التأكيد عليه بشكل رسمي خلال مجلس الشراكة المغربي الأوروبي في يناير 2026، ثم أعيد تثبيته في البيان المشترك عقب زيارة كايا كالاس إلى الرباط في أبريل الماضي.
نحو مرحلة أكثر استراتيجية في العلاقات المغربية الأوروبية
ويأتي لقاء نيويورك بعد محطات دبلوماسية متتالية بين الرباط وبروكسل، أبرزها انعقاد مجلس الشراكة الـ15 في يناير، ثم زيارة كالاس إلى المغرب في أبريل، وهي محطات عكست رغبة مشتركة في الحفاظ على زخم العلاقات وتوسيع مجالات التعاون.
وبذلك، لا تبدو مباحثات نيويورك مجرد لقاء دبلوماسي عابر على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، بل تأتي ضمن مسار أوسع لإعادة دفع الشراكة المغربية الأوروبية نحو مستوى أكثر شمولاً، في وقت تتقاطع فيه مصالح الطرفين حول ملفات الأمن والهجرة والتجارة والاستقرار الإقليمي والتحديات الدولية.
وفي عالم تتداخل فيه الأزمات وتتسارع فيه التحولات، تكتسب قنوات الحوار المنتظم بين المغرب والاتحاد الأوروبي أهمية متزايدة، ليس فقط لإدارة الملفات المشتركة، وإنما أيضاً لبناء تعاون أكثر قدرة على مواكبة التحولات التي تعرفها المنطقة والعالم.











