![]()
صدر حديثاً مؤلف أكاديمي جديد بعنوان «المغرب في إفريقيا: مصير مشترك ومستقبل متقاسم، السلام والأمن والتنمية»، يسلط الضوء على أسس السياسة الإفريقية للمملكة وتطوراتها، مستعرضاً أبعادها الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية والثقافية والروحية، إلى جانب آفاقها المستقبلية في خدمة التعاون القاري والتنمية المشتركة.
ويقدم هذا الإصدار، الصادر عن منشورات «لارماتان» في 246 صفحة، قراءة متعددة الأبعاد لمسار الحضور المغربي في إفريقيا، مستنداً إلى سنوات من البحث والعمل الميداني أنجزها مؤلفه عثمان الصقلي الحسيني، الأستاذ الجامعي المتخصص في العلاقات الدولية.
التعاون جنوب-جنوب.. ركيزة الشراكة المغربية الإفريقية
يتناول الكتاب تطور السياسة الإفريقية للمغرب تحت قيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، من خلال رؤية استراتيجية تجعل من التعاون جنوب-جنوب والشراكة المتوازنة والتنمية المشتركة مرتكزات أساسية لبناء علاقات مستدامة مع البلدان الإفريقية.
ولا يقتصر هذا التوجه، وفق ما يعرضه المؤلف، على التعاون الاقتصادي والدبلوماسي، بل يمتد إلى مجالات متعددة تشمل الأمن والتكوين والتعليم والتبادل الثقافي، بما يعكس اتساع مجالات الشراكة وتنوع أدواتها في مواجهة التحديات المشتركة.
كما يبرز المؤلف أهمية اعتماد مقاربة تقوم على تقاسم المسؤولية واحترام الخصوصيات الوطنية، باعتبارهما عنصرين أساسيين لتعزيز التعاون بين الدول الإفريقية والاستجابة لمتطلبات التنمية والاستقرار.
الثقافة والروحانية.. جسور لتعزيز الثقة والاستقرار
يخصص الكتاب حيزاً مهماً للأبعاد الثقافية والروحية في العلاقات المغربية الإفريقية، من خلال دراسة دور الروابط التاريخية والتبادلات الثقافية والتكوين والحوار بين الأديان والمبادرات المرتبطة بتدبير الشأن الديني.
ويبرز هذا الجانب كيف يمكن للعوامل الثقافية والروحية أن تسهم في بناء الثقة وتعزيز التماسك الاجتماعي وترسيخ قيم التعايش، إلى جانب دورها في دعم الاستقرار وتهيئة الظروف الملائمة لتحقيق التنمية.
ويؤكد هذا الطرح أن الشراكة الإفريقية لا تتشكل عبر المصالح الاقتصادية والسياسية وحدها، وإنما تستند أيضاً إلى الروابط الإنسانية والمعرفية والثقافية التي تساعد على توطيد العلاقات بين الشعوب.
نموذج تعاون يراعي خصوصيات البلدان الإفريقية
ومن خلال دراسات تطبيقية تشمل عدداً من البلدان والمناطق الإفريقية، يستعرض المؤلف ملامح نموذج للتعاون المغربي يقوم على مبادئ مشتركة، مع مراعاة الاختلافات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والروحية بين دول القارة.
وتشكل هذه المرونة، بحسب المقاربة التي يقدمها الكتاب، أحد العناصر التي تسمح بتكييف الشراكات مع احتياجات كل بلد، وتوسيع مجالات التعاون بما يتناسب مع خصوصياته وأولوياته التنموية.
كما يشير المؤلف إلى أن الحضور المغربي في إفريقيا امتد تدريجياً إلى مناطق متعددة من القارة، ولم يعد محصوراً في مجالات التعاون التقليدية، بل أصبح يشمل قضايا التكامل والتنمية والأمن والتبادل المعرفي.
آفاق جديدة لتعزيز الاندماج والتنمية القارية
وفي استشرافه لمستقبل السياسة الإفريقية للمملكة، يتوقف الكتاب عند الرصيد الذي راكمه المغرب على المستويات السياسية والاقتصادية والبشرية والثقافية والروحية، وما يمكن أن يتيحه من فرص للمساهمة في الديناميات الإفريقية المرتبطة بالتنمية والاندماج.
ويتمثل الرهان المستقبلي، وفق ما يطرحه المؤلف، في تثمين هذا الرصيد وتعبئة مختلف مكوناته، بما يفتح المجال أمام صيغ متجددة للتعاون جنوب-جنوب، ويسهم في دعم الاستقرار وتعزيز التكامل بين دول القارة.
ويأتي هذا المؤلف ليضيف مساهمة أكاديمية إلى النقاش حول العلاقات المغربية الإفريقية، من خلال ربط أبعادها التاريخية والثقافية والدبلوماسية بالتحديات الراهنة والفرص المستقبلية، في سياق تتزايد فيه أهمية الشراكات القارية لمواجهة التحولات الاقتصادية والأمنية والتنموية.
ويشار إلى أن عثمان الصقلي الحسيني أستاذ جامعي ودكتور في العلاقات الدولية، وعضو في كرسي اليونسكو «التعددية الثقافية المتوسطية»، وعضو في كرسي الإيسيسكو «الفنون والعلوم والحضارات»، كما يعمل خبيراً لدى كرسي أكاديمية المملكة المغربية «جيوسياسية الديانات والثقافات».











